القبلة فكبر ثم صلى حيث وجهه ركابه» [1] ثم لا يلزم المصلي بعد تكبيرة الإحرام عند هذا الفريق أن يشق إدارة البهيمة في حال السير، بل يصلي حيث توجهت كما ورد في الحديث السابق، بشرط أن تتوجه إلى مقصده، فإن توجهت به إلى غير مقصده، فلا يخلو الأمر من أن تتجه به إلى القبلة أو إلى غيرها، فإن كان عدولها إلى جهة القبلة فالصلاة صحيحة، لأن الأصل في فرضه جهة القبلة، وإذا عدلت إليه فقد أتى بالأصل. وإن كانت الجهة التي عدلت إليها البهيمة ليست بجهة القبلة فصلاته باطلة إن تم ذلك عن اختيار منه دون عذر، وأما إذا كان ذلك لعذر كأن ظن أن ذلك في طريق بلده، أو غلبته الدابة لم تبطل صلاته، على ألا يتمادى في ذلك بعد زوال عذره وإلا فسدت صلاته أيضا. [2]
وهل يشترط السفر لجواز التنفل على الراحلة؟
اختلف العلماء في اشتراط ذلك على فريقين:
الفريق الأول: وهم عامة العلماء من الحنفية والشافعية والحنابلة والمالكية، ويذهبون إلى اشتراط ذلك، وسواء كان السفر قصيرا أو طويلا. [3]
الفريق الثاني: وهم أبو يوسف من الحنفية، وأبو سعيد الأصطخري من الشافعية، وأهل الظاهر، ويرى هؤلاء عدم اشتراط السفر لصلاة النافلة على الراحلة، بل يجوز ذلك عندهم في الحضر، وهذا الرأي محكي عن أنس بن مالك [4] .
وسبب الخلاف بينهم يعود إلى أن بعض الروايات التي جاءت عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم للناقلة على راحلته كانت مطلقة دون تقييد بسفر، وبعضها كان مقيدا بالسفر، فمن حمل المطلق على المقيد وهم الجمهور، اشترطوا لجواز ذلك السفر، ومن لم يحمل المطلق على المقيد، وعمل بكل منهما لم يشترط السفر، وفي ذلك يقول ابن حزم «وقد روينا عن وكيع عن سفيان عن منصور بن المعتمر عن
(1) رواه أبو داود. حديث رقم 1225. قال ابن القيم تعليقا على هذا الحديث «وفي هذا الحديث نظر، وسائر من وصف صلاته صلى الله عليه وسلم على راحلته أطلقوا أنه كان يصلي عليها قبل أي وجهة توجهت به، ولم يسثتنوا من ذلك تكبيرة الإحرام ولا غيرها ومن هؤلاء: عامر بن ربيعة وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله، وأحاديثهم أصح من حديث أنس هذا» زاد المعاد 1/ 131.
(2) المهذب 1/ 100، المغني 1/ 436، مغني المحتاج 1/ 143، بلغة السالك 1/ 228 ويجوز للمصلي في هذه الحالة أن يعمل ما لا بد منه كمسك عنان الدابة، أو سوقها بسوط دون كلام.
(3) وخالف المالكية في ذلك حيث اشترطوا أن يكون سفرا تقصر فيه الصلاة، راجع: بلغة السالك 1/ 227، نيل الأوطار 3/ 144، المغني 1/ 434، صحيح مسلم بشرح النووي 5/ 210.
(4) الهداية 1/ 69، صحيح مسلم بشرح النووي 5/ 210، المحلى 3/ 43، ط مطبعة الإمام بالقلعة.