فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 67

ولذا جاء الأمر لنوح عليه السلام: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} [سورة هود، الآية: 40] .

وذلك حماية لها من الانقراض بسبب الطوفان، وهذا يفيد ضرورة اتخاذ الإجراءات اللازمة لحفظ النوع والسلالة في الكائنات الحية، انطلاقًا من مقصد هام من مقاصد الشريعة هو حفظ النسل.

ومن المعلوم أن حفظ الحياة لا يتم إلا بحفظ مكونات البيئة، حيث هي عامل ضروري لاستمرار الحياة، ولما كان حفظ الحياة واجبًا، كان الحفاظ على عناصر البيئة واجبًا، حفظها من التلوث والتعطيل والاستنزاف انطلاقًا من قاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

ومن ثَمّ استخلف الله سبحانه الإنسان المخلوق المكرم على هذه البيئة، ومَلَّكه لها تبعًا لقاعدة الملكية، ملكية انتفاع لا ملكية رقبة، ومقتضى ذلك أن كل جيل أمين على ما استخلف عليه، وأن عليه المحافظة على هذه الأمانة وتسليمها للجيل الذي يليه. إن مفهوم حماية البيئة في الشريعة الإسلامية لا يقتصر على حماية الإنسان من الأخطار التي يتعرض لها في وجوده وصحته فحسب، لكنه يتجاوز هذه النظرة ليشمل حماية جميع المقومات الأساسية للحياة من إنسان وحيوان ونبات وماء وهواء وتربة ومعادن ... مما يدخل ضمن مجموع الكليات الخمس أو مقاصد الشريعة الإسلامية (حفظ الدين وحفظ العقل وحفظ المال وحفظ النسل أو حفظ العِرْض وحفظ النفس) وقد جاءت الشريعة الإسلامية للحفاظ على هذه الكليات والمقاصد بل جعلتها مقصودها الأعظم.

وهو الأمر الذي بدأ المهتمون بقضايا البيئة يدركونه مؤخرًا، إذ مشكلة تلوث البيئة مثلًا بدأت معالجتها باعتبار الآثار التي تتركها على الإنسان، ثم حدث تجاوز هذه النظرة في ضوء إدراك الوحدة الحقيقية للمجال الحيوي، فالتلوث ينظر إليه اليوم على أنه يشمل الظواهر المؤثرة على جميع الكائنات الحية.

ومن الأمور الأساسية التي حرص عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الالتزام بالبيئة، وقد أوصى بها المسلمين، إذ نص أكثر من حديث على أن النظافة من الإيمان، والحق أنَّ إفساد البيئة وتلويثها يبدأ بتلويثها اليسير أو عدم التزام النظافة وإماطة الأذى عنها.

ومن الملاحظ أن سور القرآن الكريم حملت عدة أسماء لكائنات حية من حيوان وشجر، كسورة البقرة وسورة التين، ومن الجماد كسورة الحديد، ومن الأفلاك كسورة الشمس، ومن الظواهر الطبيعية كسورة الرعد، وغير ذلك مما يحفل به القرآن الكريم. وفي هذا إشارة إلى حقيقة مهمة هي أن الإنسان مخلوق يشترك مع البيئة الطبيعية ذاتها، ومع كل المخلوقات، في خضوعه للسنن الكونية الإلهية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت