فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 67

وتجدر الإشارة إلى حقيقة مهمة أخرى هي أن القرآن الكريم ليس موسوعة في العلوم الطبيعية أو دائرة معارف متخصصة، ولكنه كتاب هداية وإرشاد ودعوة ونصيحة وأمثال وقصص وحكم وأوامر ونواهي وهو في الأساس معجزة رسولنا محمد بن عبدالله النبيِّ الأميِّ.

لقد خلق الله الإنسان من الأرض ثم استعمره فيها، قال تعالى: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [سورة هود، الآية: 61] . وفي حين يشارك الإنسان على هذه الأرض مخلوقات وكائنات أخرى من حيوانات ونباتات وغيرها، إلا أن الله سبحانه وتعالى فَضَّله على سائر المخلوقات، وسخرها لخدمته ومكنّه من الانتفاع بها، قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [سورة الإسراء، الآية: 70] . وحتى يتمكن الإنسان من الانتفاع بهذه المخلوقات، فقد أوجدها الله علي هيئة من التوازن، بحيث لا يطغى بعضها على بعض، الأمر الذي قد يحول بين الإنسان والانتفاع بها، أو قد يحيل بعضها إلى مصادر ضرر عليه، قال تعالى: {وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ} [سورة الحجر، الآية: 19] .

ولذا، فإنّ الإنسان مقيّدٌ بمراعاة الاعتدال، وتجنب الإسراف والبطر والتجبر وكل ما من شأنه الإخلال بالتوازن البيئي، قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [سورة الفرقان، الآية: 67] .

إن أحكام الشريعة الإسلامية وقواعدها غائية بالإجماع بمعنى: أنها شرعت وسائل تستهدف غايات معينة هي مصالح المكلفين. ومن المتفق عليه بين جمهور علماء المسلمين أن الله سبحانه ما شرع حكمًا إلا لمصلحة عباده. وأن هذه المصلحة إما جلب نفع لهم أو دفع ضرر عنهم.

وقد اتفق علماء الأصول على أن تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها وهي خمس من حيث التقسيم: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل، وحفظ المال، ويتم تحققها على مراتب ومستويات ثلاثة هي: الضروريات ثم الحاجيات ثم التحسينات.

ومن ثَمّ، فإن الشريعة الإسلامية لا تتضمن ما يتعارض مع الطروحات الإسلامية لمفهوم التنمية والبيئة، وهو المفهوم الذي يتطلب ترشيد استخدام الموارد وتجنب الإضرار بالآخرين، ومراعاة مصالح أبناء هذا الجيل والأجيال القادمة، والاعتراف بأن الإنسان مستخلف على هذه الأرض وأن حقه في الانتفاع بمواردها مقيّد بمسئوليته إزاء الاستخدام الرشيد لهذه الموارد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت