فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 67

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده وبعد:

إن الثورة الصناعية والعلمية التي انطلقت أساسًا من الغرب، قد فتحت الأعين على حاجتين أساسيتين: الأولى تمثّلت في الحاجة إلى المواد الأولية الأساسية لحركة التصنيع التي نمت لاحقًا بوتيرة عالية، والثانية تمثلت في الحاجة إلى الأسواق الاستهلاكية لتصريف المنتجات.

ووراء هاتين الحاجتين وقف تغيّران جوهريان أصابا المحتوى الداخلي للإنسان. وقد تمثل هذان التغيران في اعتبار السعادة هي الهدف من الحياة وتحقيق أقصى متعة، والثاني في كون الأنانية والسعي لتحقيق المصلحة الشخصية والجشع تفضي إلى الانسجام والسلام.

وللأسف فإن السعادة في نظر هوبز هي التقدم المطرد دائمًا من شهوة لشهوة. بل إن الأمر يصل عند لاميتري إلى حدّ تحبيذ تعاطي المخدرات حيث هي تعطي وهمًا بالسعادة. وهناك دي ساد الذي يَعدُّ إشباع دوافع القسوة أمرًا مشروعًا.

هذا التحوّل للمستوى الداخلي للإنسان مهم جدًا وتزداد أهميته عندما تقدّم لنا اللذة بجذرها المادي كإجابة مقنعة لمعضلة الوجود الإنساني.

إن مذهبي اللذة والأنانية المفرطة شكلا المبدأين الرئيسين الذين صدرت عنهما إعادة تشكيل وبرمجة المحتوى الداخلي للإنسان وسلوكه وفق قوالب مادية خالصة.

ومن ثم، فلا عجب أن انساق مجموعة كبيرة من الناس لاستهلاك المخدرات، والسرقة وجرائم مختلفة الأشكال والآثار، زعمًا بأنها تحقق قدرًا من اللذة أو المنفعة أو السعادة.

لقد باتت الصحف ومحطات التلفزيون والقنوات الفضائية في مختلف أنحاء العالم هذه الأيام مشبعة بالتقارير عن جرائم العنف والمخدرات وازدياد نشاطات المافيا العالمية.

والإحصاءات المذهلة عن ذلك كافية لبث الذعر فالجريمة في الواقع قضية أكثر غموضًا وأعقد تركيبًا مما يبدو من عناوين الصحف المنذرة بالخطر.

ومما يجدر ملاحظته أن معظم الناس يقرنون بين الجريمة والخوف، والجريمة والعنف، والجريمة والفساد، والجريمة والتنمية، والجريمة والفقر، والجريمة والبطالة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت