وأما القياس فلأن بيع ما ليس عنده مثل بيع حبل الحبلة أي: ولد الحمل الذي لم يولد بعد، لأن كلا منهما غير معلوم الوصف للبائع والمشتري.
ولكن ورد الدليل بإباحة السلم، وهو عقد على موصوف في الذمة مؤجل بثمن مقبوض بمجلس العقد، مثل أن يبيع المزارع مائة صاع من التمر الموصوف تسلم بعد شهر أو شهرين بمائتي ريال مدفوعة حالا في مجلس العقد، فينتفع المزارع بالنقد فإذا حل الأجل دفع التمر للمشتري.
فهذا النوع من البيوع يسمى السلم، وقد رخص فيه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم» (أخرجه الشيخان من حديث ابن عباس، واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري: من أسلف في شيء ففي كيل معلوم ... ) .
وتسمية هذا النوع استحسانا غير مسلمة عند من ينكر العمل بالاستحسان؛ لأن هذا عمل بالنص الخاص، وترك لمقتضى العموم، فهو ترك نص لنص أقوى منه.
2 -استحسان سنده المصلحة:
ومثاله: الحكم بتضمين الأجير المشترك، وهو الذي لا يعمل لشخص بعينه، بل يقدم خدمة لكل من يحتاجه مقابل أجرة معينة كالصباغ والغسال والخياط.
فالأصل أن الغسال إذا أعطي الثوب ليغسله فتلف عنده من غير تفريط لا ضمان عليه؛ لأن هذا مقتضى عقد الإجارة، ولأنه قبضه بإذن صاحبه فهو مؤتمن عليه، ولكنهم عدلوا عن مقتضى ذلك القياس وقالوا يضمن ما تلف عنده إلا أن يكون تلف بقوة قاهرة ظاهرة كالحريق ونحوه.
وسند هذا الاستحسان المصلحة، وهي المحافظة على أموال الناس من الضياع؛ نظرا لكثرة الخيانة بين الناس وقلة الأمانة. ولو لم يضمن الأجير لامتنع كثير من الناس من دفع أمتعتهم إليه خوفا عليها من الضياع أو التلف أو الخيانة.
والاستدلال بالاستحسان بأنواعه المتقدمة مذهب جمهور العلماء من الحنفية والمالكية والحنابلة.
والظاهر أن الشافعي لا ينكر الاستحسان بمعناه الذي ذكرناه، بل ينكر الاستحسان بمجرد الهوى من غير دليل، أو ينكر الاستحسان الذي مستنده المصلحة المرسلة والعرف فقط. والله أعلم.
الاستصحاب:
تعريفه:
في الاصطلاح: هو الحكم بثبوت أمر في الزمان الثاني بناء على أنه كان ثابتا في الزمان الأول.