الصفحة 77 من 99

و أما تعيين علي كالخليفة من الرسول، فكان أمرا وهميا من عالم الخيال، فقد قال رسول الله {أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي} لا شك فيه ولا ارتياب، ولكن مع ذلك كله ما خلف رسول الله عليا في المدينة ولو في غزوة واحدة من غزواته، كما شهدتم على ذلك، وانك لتعلم أن {انت مني بمنزلة هارون من موسى} ليس تعيين له كالخليفة، وإن كنت تشك في هذا البيان، فاسأل أئمة اللغة وارجع إلى القرآن، ولا أظن أن بعد ذلك السؤال والرجوع إلى القرأن، ستبقى وسوسة للمرتابين.

و إننا لو فرضنا أنه أنزل عليا منه بمنزلة هارون من موسى، كما فهمه الشيعة، وإنك لتعلم أن أظهر المنازل التي كانت لهارون من موسى هي وزارته له وشد أزره به في مهمات الدين، واشتراكه معه في أمره بالمعروف، وخلافته له فقط أيام ذهابه إلى طور السنين في ذلك العام، ولم تثبت بالأدلة أنه كان خليفته في غير ذلك ولا بعد وفاته،

و لو فرضنا أيضا أن الحديث هو التعيين والاختيار، وأنه خليفته بعد أن يولي الأدبار، فلا أدري كيف ينفعكم هذا التأويل، فإن هارون كان فقط خليفته في قومه أيام غيبته في الطور والقرآن هو الدليل، فمن أين تثبت هذا البيان، أن رسول الله عينه وتوّجه بتاج الإمامة، ألا تنظر إلى سنة الأنبياء، هل عينوا من أجل الخلافة الأقرباء، أخ كان أم أما، إبنا أو عما، فإنهم بعد ارتحالهم من هذه الدار، يضعون تحت أيدي أممهم حرية الإختيار، فمن أين علمت أن قوله {أنت مني بمنزلة هارون من موسى} مشعر بتعيين الخلافة، وترشيح الإمامة، وهارون ما كان خليفة أخيه، ولا أحد من بنيه، أترك هذا التعصب والجدال، وانظر صحة هذا المقال، لعلك تكون من الناجين،

و على تقدير من هذا التعيين، يلزم فساد هذا الدين، وهو أن الحديث مدح وثناء، من رسول الله رب السماء، كمدائحه وأثنيته الأخرى التي مدحها للآخرين، ولو كان هذا التأويل، هو الحق والحديث هو الدليل، لفسد الدين، ولأصبح الدين لأسرة محمد،

و إني عددت عدد الروايات في مدح عمر والثناء عليه، فوجدنا خمسمائة وسبع وثلاثين حديثا، راجع تاريخ الخلفاء وضبط ابن حزم بهذا العدد في [ص] 138 من جزئه الرابع من فصله،

و عدد الأحاديث في مدح عثمان مائة وستة وأربعين حديثا،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت