وقد تناول تزفيتان تودوروف هذه القضية في كتابه (الشعرية) بنوع من التوضيح والتفصيل، حيث يقول:"والسمة الأخيرة التي نثبتها هنا لتمييز تنوع السجلات اللفظية هي مايمكن أن نسميه متبعين في ذلك بنيفينست"ذاتية اللغة"، ونجعلها مقابل موضوعيتها. فكل ملفوظ يحمل في ذاته آثار تلفظه، وفعل إنتاجه الدقيق والفردي. لكن هذه الآثار يمكن أن تتفاوت كثافة. ولنضرب مثلا واحدا على ذلك، فالماضي المجرد في الفرنسية (Passe simple) يضفي على الخطاب حدا أدنى من الذاتية. وكل ما يمكننا أن نعرفه هو أن العملية الموصوفة سابقة على عملية الوصف، وهذا هو الأثر الضئيل الذي تتركه الذاتية هنا."
إن الأشكال اللسانية التي تتخذها هذه الآثار العديدة. وقد كانت موضوعا لأكثر من وصف. ويمكننا أن نميز بين سلسلتين كبيرتين: أولاهما: الإشارات إلى هوية المتحادثين وإلى المعطيات الزمكانية للتلفظ، التي عادة ما تنقل عبر مورفيمات خاصة بذلك (الضمائر أو أواخر الأفعال) ، والثانية: الإشارات إلى سلوك المتحدث أو المخاطب إزاء الخطاب أو موضوعه (اللذين لايكونان إلا مقومات، أي مظاهر من معنى كلمات أخرى) . واعتمادا على هذه الوسيلة بالذات، تخترق صيرورة التلفظ كل الملفوظات اللفظية. فكل جملة تحتوي على إشارة إلى استعدادات المتحدث بها. فمن يقول:"هذا الكتاب جميل"يقدم حكما تقويميا، فيتدخل بذلك بين الملفوظ ومرجعه، أما من يقول:"هذه الشجرة كبيرة"، فإنه يصدر حكما من الجنس نفسه، وإن كان أقل وضوحا، ويخبرنا مثلا عن نبات بلاده. فكل جملة تتضمن تقويما ما، لكن بدرجات مختلفة؛ مما يسمح لنا بأن نقيم مقابلة بين الخطاب التقويمي وبين بقية سجلات الكلام.