لقد اهتمت الدراسات التداولية في بداية الأمر بالمتكلم باعتباره قوة عليا، يمتلك سلطة متفوقة، فيوجه للمخاطب الذي يكون في مرتبة دنيا مجموعة من الأوامر لتنفيذها بطريقة ميكانيكية، دون تردد أو مناقشة، كما هو حال الأوامر الدينية والعسكرية، ويسمى هذا بالتواصل التوجيهي. لكن هناك من يرفض هذا التصور الميكانيكي، فيعتبر المقصدية قاسما مشتركا بين كل من المتكلم والمتلقي، ولا فرق بينهما إلا من باب الأخذ بزمام المبادرة. لكن هناك من يرى أن المقصدية قد يتحكم فيها المتلقي، فيجعل المتكلم في قبضة يده، فيتصرف فيه كيفما يشاء، ثم يضطر المتكلم إلى تكييف خطابه حسب رغبات المتلقي، بل قد يكون ناطقا بلسانه [1] .
ويعني هذا أن النص الأدبي باعتباره جملا وملفوظات لغوية يحوي مجموعة من المقاصد المباشرة والضمنية التي يعبر عنها المتكلم أو المتلقي أو هما معا. بتعبير آخر، ثمة مقاصد أولية تتعلق بالمتكلم المرسل قد يكون شاعرا - مثلا -، فيعبر عن بعض مقاصده كالحب والخوف والاعتقاد والتمني والكراهية. وفي المقابل، ثمة مقاصد ثانوية، تتعلق بالمتلقي السامع الذي عليه أن يفهم مقاصد الشاعر المبدع، و يتعرف ظروفه وحالاته النفسية والذهنية والوجدانية.
وإذا انتقلنا إلى النص الأدبي، فإن المبدعين والشعراء يوظفون كلمات وتعابير وأسماء أعلام لها مقصدية مباشرة وغير مباشرة، قد تدرك بطريقة ظاهرة، أو تفهم بالتضمين والتلميح.
(1) - محمد مفتاح: دينامية النص، المركز الثقافي العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1987 م، ص:46.