فالعلمانية الشاملة وحدة وجود مادية وأن العالم بأسره مكون أساسًا من مادة واحدة لا قداسة لها، ولا تحوي أية أسرار، وفي حالة حركة دائمة لا غاية له وأن العالم وجد بطريق المصادفة [1] .
وهنا نشير إلى خطأ قبول العلمانية الجزئية وإن العلمانية الجزئية تتساوى في التحريم مع العلمانية الشاملة، لكن الاختلاف بينهما يكمن في الكم وليس في أصل المشكلة. فكلاهما يشتركان في اقصاء الدين، ولا حجة للبعض كالأستاذ راشد الغنوشي الذي أشاد في قبولها وتزكيتها، من خلال قوله: (أن المجال السياسي أساسه جلب المصالح ودرء المفاسد وأداته العقل، وأن المحال الديني أساسه الوحي وبالتالي يسمح بتبلور مؤسستين إحداهما سياسية والأخرى دينية) . فالتصور الإسلامي لا يميز بين الشأن الدنيوي الذي هو أوسع من السياسي وبين الشأن الديني، إذ يعتبر التصور الإسلامي أن كل نشاط دنيوي يقوم به المسلم يبتغي به وجه الله فهو عبادة، كما وضح ذلك الرسول في حديثه الذي قال فيه: في بضع أحدكم صدقةٌ"قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا أهله فيكون له فيه أجرٌ؟ قال:"أرأيت إن وضعها في الحرام أكان عليه فيها وزرٌ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له فيها أجرٌ" [2] فإن السياسي خاضع للديني، ويدل على ذلك أن كل الأحكام التي تنفذها الدولة مستقاة من الشريعة الإسلامية من مثل أحكام الحدود كحد السرقة والزنا والخمر وقتل النفس والحرابة، ومن مثل أحكام المال كتحليل البيع وتحريم الربا وتشريعات الإرث والرهن، ومن مثل أحكام الأسرة كالمهر والطلاق والزواج والرضاعة."
والحاصل: أن العلمانية بصورها نوع من أنواع الردة، ومن آمن بها وتبناها بعدما علم دين الإسلام وتبين له الحق وقامت عليه الحجة وزالت عنه الموانع، فقد خرج من دين الإسلام؛ ذلك لأن الإسلام عقيدة عقلية ينبثق عنها نظام لجميع شؤون الحياة. أما العقيدة فهي فكرة كلية عن الكون والانسان والحياة. وأما النظام المنبثق عن هذه العقيدة فهو معالجات لمشكلات الانسان. فالإسلام يقول بالخلق والتدبير الالهي وهذا خلاف الرأسمالية الديمقراطية التي تقول بأن الخلق الالهي موجودٌ ولكن التدبير الالهي مفقودٌ. والإسلام خلاف الاشتراكية الشيوعية التي تنكر الخلق والتدبير الالهي وتراهما ماديين فقط.
فالإسلام دين كامل، ومنهج واضح، لا يقبل ولا يجيز أن يشاركه منهجٌ آخر، قال تعالى مبينًا وجوب الدخول في كل مناهج الإسلام: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} [3] ،
(1) ... عبد الوهاب المسيري: العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، الناشر: دار الشروق - القاهرة (بتصرف) .
(2) ... رواه مسلم.
(3) ... البقرة: 208.