إن الشاهد الجلي على ما سقناه آنفًا، أن العرب رغم علاقاتهم التجارية والتي تمت عبر رحلات وسفارات، ولكن لم يتحدث أهل تلك البلاد باللسان العربي إلا بعد انتشار دين الإسلام؛ فلقد اختار الله من بين كل لغات الأرض اللغة العربية لتكون الوعاء الأمين الذي يحمل الحقيقة الإلهية الكونية القرآنية إلى الإنسانية كلها، ولابد أن ذلك تم لحكمة تتصل بطبيعة الرباط الوثيق بين الحقيقة القرآنية والحقيقة اللغوية العربية، ومدى تقبل لغة العرب لحقائق القرآن وإعجازه، كما يقول الشيخ أحمد حسن الباقوري.
قال جوستاف جرونيباوم: (عندما أوحى الله رسالته إلى رسوله محمد أنزلها {قُرْآَنًا عَرَبِيًّا} ، والله يقول لنبيّه: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا} وما من لغة تستطيع أن تطاول اللغة العربية في شرفها، فهي الوسيلة التي اختيرت لتحمل رسالة الله النهائية، وليست منزلتها الروحية هي وحدها التي تسمو بها على ما أودع الله في سائر اللغات من قوة وبيان، أما السعة فالأمر فيها واضح، ومن يتّبع جميع اللغات لا يجد فيها على ما سمعته لغة تضاهي اللغة العربية، ويُضاف جمال الصوت إلى ثروتها المدهشة في المترادفات وتزيّن الدقة ووجازة التعبير لغة العرب، وتمتاز العربية بما ليس له ضريب من اليسر في استعمال المجاز، وإن ما بها من كنايات ومجازات واستعارات ليرفعها كثيرًا فوق كل لغة بشرية أخرى، وللغة خصائص جمّة في الأسلوب والنحو ليس من المستطاع أن يكتشف له نظائر في أي لغة أخرى، وهي مع هذه السعة والكثرة أخصر اللغات في إيصال