مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ )) [البقرة 159، 160] .
إن توضيح الإسلام وبيان مقاصده السامية لإسعاد البشرية من أوجب ما يبغي للدعاة أن يشغلوا أنفسهم به، وإن الذي يحاول خدمة الرسالة الإسلامية دون أن يكون محيط بالقرآن وتفسيره والسيرة والبلاغة إنما يدعو عبثًا، فكما قالوا"الخط الحسن يزيد الحق وضوحًا"فكذلك القول الحسن والختام الجميل يزيد الحق وضوحًا.
3 -العلم:
لابد أن يمتاز الدعاة عن غيرهم من عامة الناس بعلم ما لا يعلم الناس، لأن مهمة البلاغ لا تقوم إلا بهذا، فالعلم ضروري لإقامة الدين شرائع وشعائر، فلابد للداعية أن يكون عالمًا حتى يعلم الناس، فالدعاة يجب أن يكونوا في مجالهم أهل ذكر مبينًا للناس إن كانوا لا يعلمون، وإذا فقد الدعاة هذه الميزة تساووا مع الناس وافتقدوا إمامتهم وقيادتهم، مما ينبغي على الدعاة في هذا المجال إتقان فن التأويل والتفسير والاستنباط، ولكي يتقن الدعاة مهمة التنوير لابد أن يكون عندهم علم من الكتاب.
والإسلام أحوج الأديان الآن على من يتعلمه على حقيقته النازلة من رب العالمين، ثم يكرس الداعي حياته لإنعاش المسلمين به بعدما سقطوا في غيبوبة طويلة وهي غيبوبة العولمة، ويجب على الداعية أن يتعلم لكي يوصل الحقائق إلى الناس في عصر يواجه المسلمون فيه هجمة شرسة من أعداء الإسلام، ولقد اهتم كثير من المفكرين بدعوة الدعاة إلى التعلم لأننا في حاجة إلى المسلم المتعلم الذي يدعو فيجاب - بإذن الله - فليهتم الدعاة بالعلم والتعلم والبيان والتبين والقراءة والإطلاع.
4 -القدوة الحسنة:
وهي وسيلة من وسائل الدعوة الإسلامية تعتمد على السلوك والتصرفات والحركة والعمل"والدعاة إلى الله يمكنهم أن يدعوا دون أن يتكلموا كلمة واحدة، ودون أن يقولوا موعظة واحدة، وذلك بسلوكهم وتصرفاتهم وتعاملهم، فهناك حكمة تقول: > .." [1] .
إن القدوة الصالحة هي المؤثر الفعال في المجتمع .. حيث أن تمثل تعاليم الإسلام في شخص واحد يتحرك بها ويتعامل بآدابها أكبر دعاية للإسلام وأنجح وسيلة من وسائل الدعوة إلى الله.
فالمشكلة أن هناك كثير من الخطباء المثقفين يجهلون هذه القيمة المفيدة في الدعوة وفيحق عليهم قول الله عز وجل (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ ) ) [الصف: 2، 3] . فصدق أبو الأسود الدؤلي في نصحه لأحد المعلمين:
يا أيها الرجل المعلم غيره ... هلا لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء لذي السقام وذي الضنا ... كيما يصح به وأنت سقيم
لا تنه عن خلقٍ وتأتي مثله ... عارٌ عليك إذا فعلت عظيم
أبدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإذا انتهيت عنه فأنت حكيم
فهناك يقبل ما وعظت ويقتدي ... بالقول منك وينفع التعليم
(1) فقه الدعوة الإسلامية والإعلام عند المودوي - د. فاروق الصاوي، مرجع سابق، صـ 279.