رابعا: العولمة الثقافية
إن العولمة الثقافية لم تخرج عن الاقتصادية والاتصالية في معنى الهيمنة. وبما أن العولمة على المستوى الاقتصادي والاتصالي وحتى السياسي تكون وحيده الاتجاه تسير من الغرب إلى الشرق كما يقرر د/ محمد نجيب التلاوي"لم تخرج عن تلك القاعدة التي تبدوا أنها ظاهرة العولمة ككل بوصفها ظاهرة تغريبية في المقام الأول فإن فرض الغرب نفسية اقتصاديًا على العالم. فإنه يفرض نفسه اقتصاديا وثقافيًا في هذه الحالات متداخلة تداخلًا يحتم تأثرها ببعضها تأثرًا ضمنيًا" [1] .
إن هذه العولمة الثقافية أخطر باقي صور العولمة لأنها التي تحمى العولمة الاقتصادية والاتصالية وغيرها. فكما يقول الأستاذ / كامل الشريف الأمين العام للمجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة والذي يذكر رأيه د/ على بن إبراهيم النملة حيث يقول إن"العولمة المعاصرة قد اعتمدت الفرد الثقافي وآخر الأسلحة لحماية الفرد السياسي والاقتصادي وشل الثورات الوطنية عن المقاومة" [2]
فالحديث عن العولمة الثقافية تختلف عن الحديث حول باقي صور العولمة لأن العولمة الثقافية بالذات بدت وكأنها كاسمه ستجرف وستقضى على جميع الخصوصيات الحضارية لجميع الشعوب غير الغربية، بل إن شعوبًا أوربية شعرت بمخاطر هذه العولمة لأنها في حقيقة الأمر، عولمة تحمل في حياتها مشروعًا لأمر له العالم. لأن القيم النسبية والسلوكية والعقائدية الأمريكية هي المهيمنة على هذه فالولايات المتحدة تهيمن وتملك النخبة الأكبر من وسائل الإعلام العالمية وبالتالي فهيمنتها ليست اقتصادية فحسب وإنما ثقافية كذلك وهذا أخطر ما في العولمة أو الأمركة. لأن الذوق والسلوك والعريف الأمريكي، سيعرف طريقة نحو العالمية. مشكلًا ضعفًا وتحديًا لباقي الأذواق والسلوكيات والأعراف التي تشكل بالإضافة إلى الأديان والعقائد المنظومة المتكاملة للخصوصية الحضارية لباقي الشعوب في العالم.
وبما أن المادة الإعلامية الغربية الأمريكية قد دخلت في الآونة الأخيرة جميع البيوت والمنازل فإن المادة الإعلامية الأمريكية بدأت بالفعل تصل إلى المتلقي في العالمين العربي والإسلامي دون حواجز تذكر بل بسهولة ويسر"وواقع اليوم يقول بأن ثمة محاولات وممارسات من جانب القطب الأوحد"أمريكًا"للاستحواذ على الآخر والسيطرة عليه وابتزازه يساندها في هذا آلة إعلامية رهيبة أنجبت أجيالًا جبارة ومتطورة تتدفق من خلالها المعلومات أحادية الجانب والتصور والتي تهدف إلى إبراز رؤيتها وإظهار قيمتها وفرضها فرضًا عن طريق محاضرة المستهدف وتهميش رؤى الآخرين وإبداعها خارج دائرة الضوء، بل وتشكيل الآخرين في مرجعياهم الفكرية وقيمتهم ورآهم تمهيدًا لصنع عقولهم بصبغتها وختمها بخاتهما" [3] .
وبما أن المادة العالمية الإعلامية الأمريكية بدأت تطرق باب الإنسان دون رقابة أو تمحيص فإن آثارها المدمر قد بدأت تظهر داخل الأوساط الاجتماعية فعلًا، فظواهر الانحلال والتفكك الأسرى، وظهور جرائم لم يكن المجتمع العربي أو الإسلامي يعرفها وغيرها من الظواهر الغربية، دليل على أن هذا الاختراق قد بدأ يؤتي أكله.
موقف العرب والمسلمين من العولمة الثقافية
(1) في الحضارة العربية. د/ محمد نجيب التلاوي، مرجع سابق ص 146.
(2) وقفات حول العولمة. د/ على بن إبراهيم النملة، مرجع سابق ص 15.
(3) المجلة العربية العدد 314 السنة 28 مقال أحمد بن على آل مربع ص 90