وأغرقت في الضحك" [1] ، وبعد ذلك يوضح الأسباب التي جعلت الآخرين ينكرون وجود هذه الوحدة في الشعر العربي القديم قائلا:"والذين ينكرون الوحدة المعنوية للقصيدة العربية القديمة، إنما يدفعون إلى هذا الإنكار لسببين:
الأول: أنهم لا يدرسون الشعر القديم كما ينبغي، ولا يتعمقون أسراره ومعانيه، وإنما يدرسونه درس تقليد ...
والسبب الآخر ... أنهم يقبلون على ما يقوله الرواة، وما ينقلونه إليهم، في غير تحفظ ولا احتياط ولا تحقيق" [2] ، من خلال هذا النص، يؤكد طه حسين على وجود وحدة معنوية في القصيدة العربية القديمة، وقد دافع عنها باستماتة من خلال إيجاد الأسباب الكامنة وراء الإنكار، وكذا التوسل بتحليل قصيدة لبيد لإبراز رأيه بالدليل المادي. وسلك النهج نفسه إحسان عباس الذي أبرز ما أسماه بالنمو العضوي للقصيدة من خلال قصيدة المتنبي في رثاء جدته" [3] . فالوحدة لدى طه حسين وحدة شكلية كما تقرر لدى أصحاب عمود الشعر.
وقد ساند العديد من الدارسين الرأي القائل بالوحدة العضوية للقصيدة الشعرية القديمة، لكن، وإن كانوا على رأي واحد، فإن فهومهم شتى؛ ومن هؤلاء نذكر: محمد النويهي [4] ، ونوري حمودي [5] ، ووهبة رومية [6] ، ويوسف حسين بكار [7] ، ورضوان الشهال [8] .
و بالمقابل؛ نجد نقادا آخرين يقفون على نقيض السابقيْن، وذلك بإنكارهم للوحدة العضوية للقصيدة، وفي مقدمتهم شوقي ضيف الذي يقول:"ومن الحق أن القصيدة العربية لم تكن تعرف هذه الوحدة العضوية معرفة واضحة قبل عصرنا الحديث إلا نادرا، وربما كان مرجع ذلك إلى تقيد شعرائنا في العصور الوسطى بنموذج وضعه لها شعراء العصر الجاهلي" [9] ، ويرى أن الوحدة تهم البيت الشعري الواحد، ولا يرقى إلى مجمل القصيدة إلا في النزر اليسير من القصائد، يقول:"وهكذا دار النقد والشعر على وحدة البيت، فلم تعرف وحدة القصيدة إلا في الندرة، وقد عدوا اتصال بيت بما قبله أو بما بعده عيبا يزري بالشعر وصاحبه، وسموه التضمين" [10] .
(1) - حديث الأربعاء، طه حسين، دار المعارف، ط 12، القاهرة، 1925 م، ج 1، ص:30 - 31.
(2) - حديث الأربعاء، طه حسين، ج 1، ص:31.
(3) - فن الشعر، إحسان عباس، دار صادر، ط 1، بيروت، 1996 م، ص:216.
(4) - الشعر الجاهلي، الدار القومية للطباعة والنشر، د. ت.
(5) - وحدة الموضوع في القصيدة الجاهلية، مؤسسة دار الكتب للطباعة والنشر، الموصل، 1974 م.
(6) - الرحلة في القصيدة الجاهلية، مطبعة المتوسط، ط 1، 1975 م.
(7) - بناء القصيدة العربية في النقد العربي القديم، م. م،
(8) - امرؤ القيس كبير شعراء الجاهلية، مطابع البحتري إخوان، بيروت، 1962 م.
(9) - في النقد الأدبي، شوقي ضيف، دار المعارف، ط 4، القاهرة،1962 م، ص:154.
(10) - في النقد الأدبي، شوقي ضيف، ص:155.