وهذا التلازم بين المطلع والغرض الذي يفصح عليه ابن خلدون صراحة -وإنما قدمه لنا من خلال تلك الحكاية- أفصح عنه قبله حازم القرطاجني، وجعله من محاسن المطالع، يقول:"ويجب أن تكون المبادئ جزلة، حسنة المسموع والمفهوم، دالَّة على غرض المتكلم" [1] .
والاهتمام بالمطلع عرف منذ العصور القديمة السابقة للنقد العربي القديم، فقد تناوله النقد اليوناني بخصوص الخطابات الأدبية لديه: فقد تحدث أفلاطون في محاورته عن: بداية الموضوع [2] ، وتحدث في الجمهورية عن مطلع الإلياذة، يقول:"يظهر أني معلم عيٌّ ولذا أتقدم لشرح كلامي، كمن يعوزه البيان. ولا أتناول موضوع البحث إجمالا، بل اقتصر على جهة خاصة منه، وأجهد في جعل كلامي واضحا لك. فقل: أتعرف مطلع الإلياذة، حيث يقول الشاعر:"فرجا كريسس أغممنون أن يطلق سراح ابنته، فغضب أغممنون عليه، فلما رأى كريسس أن طلبه قد رُفِضَ، سأل إلهه أن ينتقم له من الأخائيين" [3] ."
وتحدث أرسطو -كذلك- عن مبدأ التراجيديا، وعرفه بأنه"ما لا يكون بعد شيء آخر بالضرورة، ولكن شيئا آخر يكون أو يحدث بعده على مقتضى الطبيعة" [4] .
وأما شراحه، فقد تناولوا المطلع تناولا أرسطيا. إلا أن ابن رشد زاد أن طبق النظرة الأرسطية على الشعر العربي، يقول:"ومما يستحق فاعله الهوان أن يكون التصدير بالتصدير بالأمور الصعبة على النفوس الكريهة المسموع، ولاسيما إذا تأمل السامعون أو تفقدوا ما يكون من ذلك، مثل قول القائل: إنه لا يكون هذا حتى أقتل، أو أنه ليس ها هنا شيء هو لي أكثر مما لكم، أو أخبركم خبرا لم تسمعوا بمثله قط في الغرابة أو الشدة. ومن هذا النوع الذي ذكر تستقبح بداءات كثيرة من الأشعار مثل استقباح عبد الملك بن مروان لافتتاح جرير: أتصحو بل فؤادك غير صاح" [5] .
سادسا: الانتهاء:
يرى الثعالبي الفاسي أن للانتهاء في القصيدة أهميةً كبرى، لأنه آخر ما يقَرّ في الأذن بعد انتهاء القصيدة، ولذا وجب إعطاؤه الأهمية التي يستحق، يقول:"وأما الانتهاء فهو ما يعيه السمع ويرسم في النفس وربما حفظه السامع دون غيره لقرب عهده به، فينبغي أن يكون حسنا تاما كقول أبي الطيب المتنبي:"
أعطيت الذي لم يعط خلقا ... عليك ورحمة الله السلام
(1) - منهاج البلغاء، ص:305.
(2) - محاورة فايدروس لأفلاطون أو عن الجمال، ترجمة أميرة مطر، دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، 2000 م، ص:91.
(3) - جمهورية أفلاطون، نقلها إلى العربية حنا خباز، دار القلم، ط 2، بيروت، 1980 م، ص:85.
(4) - في الشعر، أرسطو، نقل أبي بشر متى بن يونس القنائي إلى السريالي إلى العربي، حققه مع ترجمة حديثة ودراسة لتأثيره في البلاغة العربية شكري محمد عياد، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، 1386 هـ/1967 م، ص:58.
(5) - تلخيص الخطابة، ابن رشد، ص:644 - 645.