فانظر كيف جمع في هذه الأبيات الثلاثة بين ثلاثة مذاهب متباعدة الأغراض، وهي المجون والزهد ومدح الخليفة، حتى صيَّرها نسق النظام وحسن العبارة كأنها فن واحد" [1] . فعلى الرغم من هذه التقنيات المختلفة: الخروج والالتفات والتخلص وغيرها. فإنها تخدم نفس مقصد العبارة، وتخضع لنفس نسق النظام وإن تنوعت."
بدا مما سبق أن البناء المنطقي لأقسام القصيدة لا يأخذ شكله الجمالي إلا من خلال الملامح الجمالية التي تكسر رتابته، وتجوِّد بناءه. ومن أهم هذه الملامح:
• التناسب:
على الرغم من دفاع ابن خلدون عن وحدة البيت المعنوية والتغريضية والجمالية، فإنه كذلك يدافع عن وحدة القصيدة المعنوية والجمالية، ويعتبر أن وحدة البيت ما هي إلا لبنة لبناء وحدة القصيدة. ولهذا يدعو المبدع إلى بناء البيت بناء متماسكا، ثم الانتقال إلى البيت الموالي له، وبناؤه كذلك بناء متماسكا، على أن يقوم بالمناسبة بين البيتين، ولا يقبل البيت الذي يناسب سابقه، بل يتركه، يقول:"وإذا سمح الخاطر بالبيت ولم يناسب الذي عنه فليتركه إلى موضعه الأليق به، فإن كل بيت مستقل بنفسه ولم يبق إلا المناسبة فليتخيَّر فيها كما يشاء وليراجع شعره بعد الخلاص منه بالتنقيح والنقد" [2] . ويعتبر كذلك هذا الحذق في مناسبة الأبيات بعضها ببعض ليس من مقدور أي شاعر، بل هو من دواعي اقتدار الحذَّاق ذوي القرائح. يقول:"اكتساب ملكته بالصناعة من المتأخرين لاستقلال كل بيت منه بأنه كلام تام في مقصوده، ويصلح أن ينفرد دون ما سواه فيحتاج من أجل ذلك إلى نوع تلطُّف في تلك الملكة، حتى يفرغ الكلام الشعري في قوالبه التي عرفت له في ذلك المنحى من شعر العرب ويبرزه مستقلاًّ بنفسه، ثم يأتي ببيت آخر كذلك ثم ببيت آخر ويستكمل الفنون الوافية بمقصوده، ثم يناسب بين البيوت في موالاة بعضها مع بعض بحسب اختلاف الفنون التي في القصيدة لصعوبة منحاه وغرابة فنِّه، كان محكًّا للقرائح في استجادة أساليبه وشحذِ الأفكار في تنزيل الكلام في قوالبه، ولا يكفي فيه ملكة الكلام العربي على الإطلاق بل يحتاج بخصومه إلى تلطف ومحاولة في رعاية الأساليب التي اختصَّته العرب بها واستعمالها" [3] . يؤكد ابن خلدون -مرة أخرى- على وحدة البيت، إلا أنه يدعو إلى المناسبة بين الأبيات في موالاة منطقية؛ تجمع بين الانفصال والاتصال. بين التنويع والالتئام، ويرى أن هذا التحرك بين نقيضي الانفصال والاتصال يحتاج إلى تلطف.
وهذا الرأي لابن خلدون نجده كذلك لدى العبدري، الذي يرى أن انفصال أقسام القصيدة عيب فيها، ويدعو إلى التناسب لردم هوة هذا الانفصال، ولهذا نجده يعيب عن مطلع تخميس أبي عبد الله المصري [4] :
(1) - رفع الحجب المستورة، ج 4، ص:1602.
(2) - مقدمة ابن خلدون، ص:791.
(3) - مقدمة ابن خلدون، ص:785 - 786.
(4) - رحلة العبدري، ص:139.