له كل يوم توبةٌ ثمَّ حَوْبَةٌ ... مَتَى عنَّ ذكر أو متى مسَّ طائفُ" [1] "
فوَجْهُ الثناء في هذه المسألة، يأتي من أنه لا يعارض إلا الشعر الجيد، ولا يعارض إلا الشاعر المجيد، وقد وصف هذا الناقد أبا زيد عبد الرحمان بكونه"كاتبا مجيدا".
وفي التراث النقدي العربي القديم، نجد أن ابن رشيق يعتبر لزوم الشاعر ما لا يلزم في القافية دليلا على اقتداره، يقول:"وكان ابن الرومي يلتزم حركة ما قبل الروي في المطلق والمقيد في أكثر شعره اقتدارا: صنع ذلك في قصيدته القافية في السَّوداء، وفي مطولته:"أَبَيْن ضلوعي جَمْرَةٌ تتوقَّد" [2] . وكان هذا الناقد يعتبر هذا الشاعر أكثر قدرة على الشعر واتساعا فيه نظرا لالتزامه ما لا يلزمه غيره، يقول:"وكان ابن الرومي خاصة من بين الشعراء ما لا يلزمه في القافية، حتى إنه لا يعاقب بين الواو والياء في أكثر شعره قدرة على الشعر واتساعا فيه" [3] ."
تناول نقاد القرن الهجري الثامن مسألة التصدير وعلاقته بالقافية، من خلال مناقشة عدم اختصاصه بها لدى المتأثرين بالجهود الفلسفية، في مقابل تراث نقدي عربي يقصره عليها. وسنقف عند المفهوم من خلال جهود كل من السجلماسي وهو يمثل التيار المتأثر بالفلسفة، والشريف السبتي وهو يمثل النقاد اللغويين.
-التصدير لدى السجلماسي:
يقدم هذا الناقد -بداية- مفهومه للتصدير من خلال منهجه النقدي الفلسفي، وجهازه المفاهيمي، حيث يرى أن التصدير يكون في العبارة بصفة عامة، سواء أكانت في القرآن أو الشعر أو النثر. يقول:"قول مركب من جزأين متفقي المادة والمثال، كل جزء منهما يدلّ على معنى هو عند الآخر بحال ملائمية، وقد أخذا من جهتي وضعهما في الجنس الملائمي من الأمور، ووضع أحدهما صدرا والآخر عجزا مردودا على الصدر بحسب هيئة الوضع اضطرارا، ومعنى ذلك أنه، لِمَا قد تقرر، ينبغي أن يكونَ أحد الجزأين -وهو العَجُزُ ضرورة- كائنا من القول في الخاتمة، والنهاية، والآخر فقط دون تضاعيفه وأثنائه" [4] ، ففي هذا النص نجد أن هذا الناقد يعمم أسلوب التصدير على العبارة أو القول بصفة عامة. ويقسمها إلى جزأين أحدهما في الصدر والآخر في الخاتمة، وأن يُرَدَ الأخيرُ على الأول اضطرارا.
والسجلماسي بهذا الفهم يتجاوز الفهم النقدي العربي القديم، الذي يقصر التصدير على القوافي، ويلخصه ابن رشيق في عمدته:"وهو أن يرى أعجاز الكلام على صدوره، فيدل بعضه على بعض، ويسهل استخراج قوافي الشعر إذا كان"
(1) - الذيل والتكملة، السفر الأول، القسم الأول، ص:548 - 549.
(2) - العمدة، ج 1، ص:155. وتتمة البيت:"على ما مضى أم حسرة تتجدد؟"، ديوان ابن الرومي، 3/ 390.
(3) - العمدة، ج 1، ص:160.
(4) - المنزع البديع، ص:406.