مما سبق؛ يبدو أن نقاد القرن الهجري الثامن المذكورين يعيبون على الشعراء تكرار القافية لفظا ومعنى، ما لم يكن هناك فرق بين القافيتين لما في ذلك من رتابة موسيقية من جهة، ودلالة على عجز الشاعر على التنويع في معاني قوافيه من جهة أخرى، سيرا على خطى النقاد العرب القدماء:
يقول الخطيب التبريزي في هذا الصدد:"والإيطاء أن تتكرر القافية في قصيدة واحدة بمعنى واحد، كالرِّجل وَرَجُل، فإن كان بمعنيين لم يكن إيطاء، نحو رَجُل نكرة والرِّجل معرفة" [1] ، وفي المقابل؛ نجد أن الخليل يعتبر كل ذلك إيطاء فكل"كلمة وقعت موقع القافية وأعيد لفظها في قافية بيت آخر وكانت العوامل تَقَعُ عليهما اتفق معناهما أو اختلف فهو إيطاء، نحو ثغر الفم وثغر تريد الحرب" [2] .
لِكُلِّ بَنِي الدُّنْيا نَصِيبٌ مِنْ أُمِّه ... يلاحِظُهُ ذُو اللُّبِّ لحظَ المَشَاهِد
فأَمَّا بَنُو الأُخْرَى فَإِنَّ نَصِيبَهُمْ ... مِنْ أُمِّهم مُسْتَدْرَكٌ بالشواهد
"قال المصنف عفا الله عنه: هذه الأبيات لزومية، وهي شاهدة بالإجادة" [3] . ففي هذا النص يعبر هذا الناقد عن رأيه صراحة في هذه المسألة، إذ يعتبر أن التزام الشاعر ما لا يلزم هو دليل الاقتدار والإجادة. وقد لمَّح إلى هذا في نصوص أخرى، يقول:"انتهى ما حفظ شيخنا أبو الحسن من هذه القصيدة وأنشدنا لنفسه معارضا لها ومبتدئا بالصدر من البيت الأول من قطعة أبي الوليد ابن الفرضي والتزم أبو الحسن من القاف رويَّها ما لا يلزم فقال:"
أَسِيرُ الخَطَايَا عِنْدَ بَابِكَ وَاقِفُ ... تقيد في كثبانها فهو حاقفُ
يفيض من الخوف الدموعَ كأنه ... لشدةِ ما يلقى من الحزن ناقفُ
وللكاتب المجيد أبي زيد عبد الرحمان بن يخلفتن الفازازي يعارضها وأنشدته على شيخنا أبي علي المذكور وأخبرني بها عنه:
أَسِيرُ الخَطَايَا عِنْدَ بَابِكَ وَاقِفُ ... يرومُ جوازا وهو في النقد زائفُ
(1) - كتاب الكافي في العروض والقوافي، تحقيق الحسَّاني حسن عبد الله، مكتبة الخانجي، ط 3، القاهرة، 1415 هـ/1994 م، ص:162.
(2) - كتاب الكافي في العروض والقوافي، ص:162.
(3) - الذيل والتكملة، السفر الخامس، القسم الثاني، ص:669.