فَكَأَنَّهَا وَكَأَنَّ شَارِبَهَا ... قَمَرٌ يُقَبِّلُ عَارِضَ الشَّمْس
فقال أبو بكر: قد أحسن وملَّح، إلاَّ أنه جاء بالمعنى في بيتين، واقتضى للبيت الأول دينًا على البيت الثاني. وخير الشِّعر ما قام بنفسه، وكمل معناه في بيته، وقامت أجزاء قسمته بأنفسها، واستغنى ببعضها لو سُكِتَ عن بعض" [1] . فهذا الناقد يشيد بوحدة البيت، ويعتبر أن خير الشعر ما كان مستقل الأبيات: معنى وتركيبا. وكأنه يرى أن من جيد صناعة الشعر أن تكون أبياته مستقلة كما ذكر ابن خلدون فيما بعد. وهذا الاستقلال نجد له أشكالا منها: المعنوي والتغريضي والتركيبي والصوتي، يقول الأصمعي:"ومن ألفاظ العرب ألفاظ تتنافر، وإن كان مجموعة في بيت شعر لم يستطع المنشدُ إنشادها إلا ببعض الاستكراه. فمن ذلك قول الشاعر:
وَقَبْرُ حَرْبٍ بِمَكَانٍ قَفْرِ ... وَلَيْسَ قُرْبَ قَبْرِ حَرْبٍ قَبْرُُ" [2] "
ففي هذا النص يبرز الأصمعي الوحدة الصوتية للبيت، من خلال ائتلاف الحروف داخل الكلمة، والكلمات داخل البيت، أي تلاحم هذه الألفاظ تلاؤمها داخل البيت.
ويستمر هذا الإعلان الصريح عن الاحتفال باستقلال البيت لدى ابن رشيق القيرواني (تـ 456 هـ) بقوله:"واستحسن أن يكون البيت بأسره كأنه لفظة واحدة لخفته وسهولته، واللفظة كأنها حرف واحد" [3] .
تجلت الوحدة المعنوية للبيت الشعري في النقد الأدبي العربي القديم -كذلك- في مبحث التضمين، حيث ذهبت الفئة الغالبة من نقاده إلى ذمه؛ ويسمي قدامة البيت التي لم يكتمل معناه بالمبتور، يقول: وهو أن يطول المعنى عن أن يُحْتَمل العروض تمامه في بيت واحد فيقطعه بالقافية ويتمه في البيت الثاني. من ذلك قول عروة بن الورد:
فَلَوْ كَاليَوْمِ كَانَ عَلَيَّ أَمْرِي ... وَمَنْ لَكَ بِالتَّدَبُّرِ فِي الأُمُور
فهذا البيت ليس قائما بنفسه في المعنى ولكنه أتى بالبيت الثاني فقال:
إِذًا لَمَلَكْتُ عِصْمَةَ أُمِّ وَهْبٍ ... عَلَى مَا كَانَ مِنْ حَكِّ الصّدُور
فالمعنى في البيت الأول ناقص فأتمه في البيت الثاني" [4] . وهذا العيب الذي يفقد البيت وحدته المعنوية معيب لدى العديد من النقاد العرب القدماء: أبو عبد الله العسكري، وابن وهب الكاتب، والمرزوباني، وأبو هلال العسكري، وابن رشيق القيرواني وحازم القرطاجني."
يرى نقاد القرن الهجري الثامن أن البيت الشعري مبني على أسس جمالية: التناسب والتوازن والارتباط.
(1) - المصون في الأدب، ص:9.
(2) - البيان والتبيين، ج 1، ص:65.
(3) - العمدة، ج 1، ص:207.
(4) - نقد الشعر قدامة بن جعفر، تحقيق محمد عبد المنعم خفاجي، دار الكتب العلمية، (د. ط) ، بيروت، (د. ت) ، ص:209.