فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 138

أحدهما هو الثاني لمزيد معنى في الأول على وجه الاجتماع بحيث يمكن استقلاله بدونه، وخاصته الاختصاص بالقوافي ومن صوره قول امرئ القيس:

كَأَنَّ عُيُونَ الوَحْشِ حَوْلَ خِبَائِنَا ... وَأَرْحُلِنَا، الجَزْعُ الذِي لَمْ يُثَقَّب

فالجزء الثاني وهو قوله:"لم يثقب"إيغال، وهو لمزيد معنى في الجزء الأول بعد كماله واستقلاله بدون الثاني، وذلك أن مضمون القول قد تم عند قوله:"الجزع"فلما احتاج إلى القافية قال:"لم يثقب"فزاد بها معنى مبالغيًّا يستقل بدونه" [1] ."

من خلال أسلوبي التضمين والإيغال، يبدو حرص النقاد على الوحدة المعنوية للبيت الشعري واحتفالهم بها، وتجلى ذلك أكثر فيما سموه بأبيات المعاني. يقول السبتي عن البيت:

إِذَا القَوْسُ وَتَّرَهَا أَيِّدٌ ... رَمَى فَأَصَابَ الكُلَى وَالذُّرَا

"وهذا البيت من أبيات المعاني. ذكر أن دعبلا وقف عليه أعرابي وهو ينشد هذا البيت، فقال الأعرابي: يا هذا! ما عنيت بقولك؟ قال دعبل: القوس قوس الله التي تسمى قوس قزح، مطرت الأرض بها واعشوشبت فرعتها الإبل فسمِنَتْ كلاها وأسنمتها. فقال الأعرابي: لله درّكم يا حاضرة! إنكم لتسيرون معنا فتساوون وتتنكبُّون عنا فتفوقون" [2] . فالمستفاد من هذا النص، أن الأعرابي سأل عن معنى هذا البيت، ثم قام الشاعر شرحا ومبرزا ما خفي على المتلقي فيه، وكأن من اقتدار الشاعر قدرته على شحن البيت الواحد بالمعنى الغزير. وهذا التناول المعنوي للبيت من الممارسات التي عرفت لدى النقاد المرينيين، فكانوا يقفون أمام هذه المعاني، يقول الثعالبي عن بيت الحلي:

مِنْ مَعْشَرٍ يُرْخِص الأَعْرَاضَ جَوْهَرُهُمْ ... ويَحْمِلُونَ الأَذَى مِنْ كُلِّ مُهْتَضِم

"ومعنى البيت أن الناظم رحمه الله أعْلمك أَنَّ عاذله المذكور هو من القوم الذين أرخصوا أعراضهم فبذلوا جوهرهم، وكنى بالأعراض عن أحسابهم وبالجوهر عن أنفسهم وذاتهم، فهم قد رخصوا أعراضهم النفيسة بإهانة أنفسهم الخسيسة" [3] .

بالرجوع إلى التراث النقدي العربي، نجد أن مسألة"وحدة البيت المعنوية والتركيبية والتغريضية"، من أهم مقاييس الجودة والاقتدار لدى الشاعر، وحلقة من حلقات الإبداع، يبدأ ببناء الأبيات الشعرية بيتا بيتا، وكل واحد منها مستقل بنفسه. يقول أبو بكر الصولي (تـ 336 هـ) :"وانشد أبو بكر محمد بن يحيى أبيات ابن الرومي:"

وَمُهَفْهَفٍ نَمَتْ مَحَاسِنُهُ ... حَتَى تَجَاوَزَ مُنْتَهَى النَّفْس

تَصْبُو الكُؤُوسُ إِلَى مَرَاشِفِهِ ... وَتَهُشُّ فِي َيدِهِ إِلَى الجَسّ

أَبْصَرْتُهُ وَالكَأْسُ بَيْنَ فَمٍ ... مِنْهُ وَبَيْنَ أَنَامِلٍ خَمْس

(1) - المنزع البديع، ص:321 - 322.

(2) - رفع الحجب المستورة، ج 1، ص:400 - 401.

(3) - أنوار التجلي، ورقة:38.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت