ولهذا فقد عُدَّ التضمين عيبا في الشعر، لأن الشاعر الذي يعجز عن تتمة المعنى في بيت الواحد، فيضطر إلى إتمامه في البيت الموالي، هو شاعر لم يبلغ مبلغ الاقتدار، يقول ابن عبد الملك المراكشي:"وأنشدني شيخنا أبو الحكم مالك بن عبد الرحمان المالقي -عفا الله عنه- بسبتة حرسها الله لنفسه وكتب لي بخطه في هذا المعنى ووطأ له بمدحه صلى الله عليه وسلم:"
بِوَصْفِ حَبِيبِي طَرَّزَ الشعرَ نَاظِمُه ... وَنَمْنَمَ خَذَّ الطَّرْسِ بِالَّنقْشِ رَاقِمُهُ
وَمَمَّا دَعَانِي وَالدَوَاعِي كَثِيرَةٌ ... إِلَى الشَّوْقِ أَنَّ الشَّوْقَ مِمَّا أُكَاتِمُهُ
مثال لنعلي من أحب حذيته ... وها أنا في يومي وليلي لاثمه
"قال المصنف عفا الله عنه: وفي هذه القصيدة على ما بها من إجادة تعقب من وجوه منها التضمين وهو من عيوب النظم وذلك في قوله: ومما دعاني والبيت الذي بعده" [1] ، فقد عاب هذا الناقد على الشاعر عيب التضمين، إذ أنه لم يستطع أن يحافظ على وحدة البيت المعنوية، فأضحى مفتقرا إلى ما بعده.
ولما كان الأمر كذلك، سعى الناقد -بكل جهده- إلى إسقاط التضمين في الشعر، من خلال تأويل الكلام نحو استقلالية البيت، ولو بتكلُّف، كأن يقدِّر جملا غير مذكورة في البيت، يعلق الشريف السبتي على بيتين لحازم القرطاجني:
قَسَّمْتُ أَلْحَاظِي وَدَمْعِي، عِنْدَمَا ... تَقَسَّمَتْ نَفْسِي النَّوَاجِي وَالنَّوَى!
مَا بَيْنَ ظُعْنٍ سُطِّرَتْ جِمَالُهَا، ... وَدِمَنٍ جَمَالُهَا قَدِ امَّحَى
بقوله:"وفي قوله:"سطِّرت جملها، ودِمَنٍ جمالُها قد امَّحى"طباق معنوي، ووقع له ما بين البيت الثاني والثالث تضمين لأن قوله:"بين ظعن"متعلق بـ"قسمت"إلا أن يقدَّر البيت الذي افتتحه بـ"قسمت"مستقلا بنفسه، ويقدِّر فعل الآخر يتعلق به"ما بين"في البيت بعده، كأنه قال: تقسَّما ما بين ظعن ودمن. فقد تزول عنه هُجْنَةُ التضمين بذلك على تكلف" [2] .
وهذا لا يعني أن يكره هذه المعاني على الانضباط للبيت، فيأتي بها مزدحمة متراكمة، فهذا يعده ابن خلدون -كذلك- عيبا يقول:"كان شيوخنا رحمهم الله يعيبون شعر أبي بكر بن خفاجة شاعر الأندلس لكثرة معانيه وازدحامها في البيت الواحد" [3] .
وبالمقابل يعيب نقاد القرن الهجري الثامن -كذلك- على الشعراء الذين لم يستطيعوا إتمام الوحدة المعنوية للبيت، فيضطرون إلى إتمامها بفضول الكلام، فيما سمي بـ:"الإيغال"، وهو:"قول مركب من جزئين مركبين أو في حكم المركبين:"
(1) - الذيل والتكملة، السفر الأول، القسم الأول، ص:331 - 334.
(2) - رفع الحجب المستورة، ج 3، ص:924.
(3) - المقدمة، ص:791.