فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 138

والوزن والقافية هما الجانب الخارجي لموسيقى الشعر، منذ استواء مفهومه، يقول ابن خلدون (تـ 808 هـ) :"الشعر الكلام موزون المقفى، ومعناه الذي تكون أوزانه كلُّها على روي واحد وهو القافية" [1] . إلا أن مكانتهما في الشعر قد تراجعت أمام حضور عنصري المحاكاة والتخييل لدى بعضهم، يقول ابن الخطيب (تـ 776 هـ) :"الشعر أهم من أن يشمله الوزن المقفى، أو يختص به عروض يكمل وزنه فيه ويوفى، ضمن الشعر عندهم الصور الممثلة، واللعب المخيَّلة، وما تأسس على المحاكاة والتخييل مبناه" [2] . فالجانب الموسيقي في الشعر ليس ذا قيمة إلا من خلال تعالقه بعناصر أخرى: اللغة والصور والتخييل والمحاكاة ... ولهذا ردَّ ابن خلدون التعريف الموروث للشعر بأنه"الكلام الموزون المقفى"بقوله:"فكونه كلام موزون مقفى ليس بحد لهذا الشعر الذي نحن بصدده. ولا رسم له. وصناعتهم إنما تنظر في الشعر باعتبار ما فيه من الإعراب والبلاغة والوزن والقوالب الخاصة" [3] ، فلا وجود لما يسمى"بالقصيدة بدون وزن، ومن جهة أخرى لا يعتبر الوزن في حد ذاته ذا قيمة، ما لم يكن مرتبطا بوشائج داخلية بكل عناصر العمل الفني الأخرى من لغة وعبارة وصور وموضوع ..." [4] .

أولا: الفهم النقدي العربي القديم للوزن:

يَعْتَبِر نقاد القرن الهجري الثامن -وفق هذا الفهم- أن الوزن والقافية خصيصتان أساسيتان في مفهوم الشعر العربي، ومن دونهما لا يكو الشعر شعرا، ويعتبرونهما الإيقاع الخارجي [5] للقصيدة، والمميزان للشعر عن باقي الخطابات الأخرى.

ونجد هذا الفهم لدى نقاد القرن الهجري الثامن المهتمين بعلم العروض من شراح أراجيز هذا العلم، والنقاد الشراح وأصحاب التراجم والرحلات. وقد استند هؤلاء إلى التراث النقدي العربي، يقول أبو القاسم الفتوح الصنهاجي الزموري (من نقاد القرن الهجري الثامن) في شرحه للخزرجية:"والشعر في اللغة والعلم، يقال شعرت بكذا أي تفطنت له"

(1) - مقدمة ابن خلدون، ضبط المتن ووضع الحواشي والفهارس خليل شحادة، مراجعة سهيل زكار، دار الفكر، ط 2، بيروت، 1408 هـ/1988 م، ص:781.

(2) - كتاب السحر والشعر، لسان الدين بن الخطيب، حققه المستشرق الإسباني ج. م كونتنته بيرير، راجعه ودققه: محمد سعيد إسبر، بدايات للطبع والنشر والتوزيع، ط 1، جبلة، سورية، 2006 م، ص:12.

(3) - المقدمة، ص:789.

(4) - الموسيقا الشعرية، صلاح عبد الحافظ، دار المعارف، ط 2، 1995 م، ص:9.

(5) - يتحفظ بعض الدارسين المحدثين من تقسيم موسيقى الشعر إلى موسيقى داخلية وأخرى خارجية، يقول صلاح عبد الحافظ:"إن الموسيقا الشعرية بما تحوي من وزن وقافية وإيقاع لفظي وإيحاء ونغم ... الخ عنصر لا يقبل التقسيم -فليس في رأيي- موسيقا داخلية وموسيقا خارجية، لأن الموسيقى الشعرية تبدأ من الوزن وتظل العلاقة بينه وبين العناصر الأخرى في العمل الفني تتدرج وتتعقد حتى لا تصل إلى أبعاد يراها الناقد، ويظهر التحليل الفني للقصيدة"الموسيقا الشعرية، ص:9. وهو رأي لا نختلف معه فيه من حيث التنظير للإيقاع الموسيقي، لكن الضرورة المنهجية لتحليل القصيدة قد تفرض ذلك. وإن كان تحليل الخطاب الشعري لا يخضع لمنهجية محددة، بقدر ما يفرض النص نفسه المنهجية القمينة بالإجابة عن الأسئلة التي يطرحها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت