إن الحمد لله؛ أحمده حمدا كثيرا، وأشكره أولا وأخيرا، وأصلي وأسلم على من لا نبي بعده: محمد بن عبد الله، خير البرية ومعلم البشرية، وعلى آله وصحابته ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد؛
تعتبر موسيقى الشعر من جوانب الرؤية الجمالية له في النقد العربي القديم، فقد خصَّها القدماء ببحوث في مختلف علومها: الوزن والقافية والعروض وأساليب الموسيقى الداخلية ... وتطورت هذه البحوث عبر التاريخ العلمي لهؤلاء النقاد، حتى أفضى ذلك إلى محاولات للتجديد فيها وفق تحديات العصور، وتغير أنماط الإبداع الأدبي، وثورة المبدعين على ما ورثوه من قواعد عروضية وإيقاعية.
لم يشذ نقاد القرن الهجري الثامن عن هذه القاعدة، فقد تناولوا هذه العلوم من حيث هي مادة علمية؛ ببحثها في أراجيز ومصنفات مستقلة: كتب العروض والقافية، ومن خلال تطبيقها في نقد الإبداع في المصنفات النقدية: كتب النقد التطبيقية والنظرية.
وعلى الرغم من تطور مفهوم الشعر في النقد العربي، فإن عنصر الإيقاع فيه لم يسقط، ولم تتراجع أهميته أمام عنصري التخييل والمحاكاة، سواء لدى النقاد الشراح وأصحاب التراجم والرحلات، أو لدى المتأثرين بالجهود الفلسفية والمنطقية. وفي هذا الصدد ينقل القللوسي (تـ 707 هـ) في كتابه عن حنين بن اسحاق (تـ 260 هـ) :"كل شعر عند العرب تأليف موسيقي، وليس كل تأليف موسيقي شعر عندهم .. كل كلام مؤلف بالتأليف الموسيقي شعر ... ، فلما كان لشعر العرب بعض التآليف الموسيقية، انضبط ولم ينحصر، لأن تلك التآليف لم تستعمل كلها، فتحصر بالنقل، ولا يدرك إحصاؤها بالعقل" [1] ، وبهذا الرأي يشترط القللوسي شروطا في عنصر الإيقاع الشعري:
• الشعر العربي هو تأليف موسيقي معروف ومحدد بالوراثة.
• كل خروج عن هذا التأليف الموسيقي الموروث لا يعتبر شعرا.
• التأليف الموسيقي للشعر العربي منحصر بالنقل.
• يرفض أي تجديد في التأليف الموسيقي العربي.
ينقسم نقاد القرن الهجري الثامن في النظر إلى عنصر الإيقاع في الشعر إلى فئتين:
(1) - زهرة الظرف وزهرة الطرف في بسط الجمل من العروض المهمل، أبو بكر محمد القللوسي، تحقيق محمد الفهري، مطبعة آنفو-برانت، فاس، 2009 م، ص:19.