فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 138

يتفق في الطبع استعملته العرب في هذا الفن وإنما هي أوزان مخصوصة يُسمِّها أهل تلك الصناعة البحور وقد حصروها في خمسة عشر بحرا بمعنى أنَّهم لم يجدوا للعرب في غيرها من الموازين الطبيعية نظما" [1] . وقد تهدمت هذه الوحدة النظمية في الموشحات التي ظهرت في الغرب الإسلامي، فأصبحت القصيدة تبنى على عدد من الأوزان بدل الوزن الواحد، إذ أن"الموشح ينظمونه أسماطا أسماطا وأغصانا أغصانا يكثرون من أعاريضها المختلفة" [2] ."

خامسا: الوحدة الصوتية للقصيدة.

إن المستمع للقصيدة الشعرية وهي تنشد لَيَجِد فيها تدفق أصوات من خلال تكرار بعض الحروف. ولعل أهم حرف يتكرر فيها هو حرف الروي، وهو حرف دعا النقاد إلى التزامه وجوبا. يقول ابن خلدون عن الشعر:"كلام مفصل قطعا قطعا متساوية في الوزن متحدة في الحرف الأخير الذي تتفق فيه رويًّا وقافية" [3] . أي أن هذه الوحدة الصوتية للروي والقافية وحدة ضرورية في البناء الفني للقصيدة الشعرية.

وإلى جانب القافية، يمكن للمبدع أن يلتزم صوتا آخر أو أصوات أخرى، لكنه ليس من أصول الشعر، بقدر ما هو دليل على اقتدار الشاعر على الصناعة وقدرته على إغناء موسيقاه، وهو التزام قد يكون مباشرة قبل القافية كما عرف في اللزوميات، وقد وظفه حازم القرطاجني في مقصورته:

جَرَى مِنَ العَلْيَا إِلَى أَقْصَى مَدًى ... مَا بَعْدَهُ لِمُخْتَطٍ مِنْ مُخْتَطَى

مُمْتَطِيًا أسْنِمَةَ العَزْمِ التِي ... مَا فَوْقَهَا لِمُمْتَطٍ مِنْ مُمْتَطَى

صُبْحٌ بَدَا، بَدْرٌ هَدَى، طَوْدٌ عَلاَ ... بَحْرٌ حَلاَ، غَيْثٌ هَمَى، لَيْثٌ سَطَا

يعقب الشريف على هذه الأبيات بقوله:"وقد التزم الناظم الطاء قبل حرف الروي في ثلاث من هذه الأبيات إن كان قصد ذلك" [4] ، وهذا الالتزام الصوتي المذكور، ليس إجباريا -شأن الروي- وعبر هذا الناقد عن ذلك بقوله:"إن كان قصد ذلك".

وقد يلتزم الشاعر حرفا في غير لفظة القافية وما قبلها، بل في نهاية الصدر -مثلا-، أي ما سمي بالتصريع، أو في الحشو أي ما يمكن أن يشكل ترصيعا. فإذا التزمهما الشاعر على طول القصيدة، شكلا مع القافية وحدة صوتية تغني موسيقاها، يقول العبدري:"وأنشدني عنه (يقصد أبا بكر محمد بن عبيد الله بن داود بن الخطاب المرسي(تـ 636 هـ ) ) أيضا، ونقلته من خط ابن خطَّاب، قال: ومما نظمته والتزمت فيه حرف الراء والترصيع:"

اشْكُرْ لِرَبِّكَ وَانْتَظِرْ ... فِي إِثْرِ عُسْرِ الأَمْرِ يُسْرَا

(1) - مقدمة ابن خلدون، ص:784.

(2) - مقدمة ابن خلدون، ص:817.

(3) - مقدمة ابن خلدون، ص:784.

(4) - رفع الحجب المستورة، ج 1، ص:406 - 408.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت