ويختم حازم بعد هذا التحليل لملمح التناصر في المبدأ، برأي -يلخص فيه رأيه هو وحكم ابن عبد الملك المراكشي في نصه السابق [1] -، يقول:"وليس يجب أن يعتبر في حسن المبادئ ما وقع الإحسان في مصراعه الثاني إذا كان المصراع الأول قبيحا" [2] .
ذهب بعض الشعراء إلى تقليد القدماء في مبادئهم في الشعر، فساروا على نهجهم في المطالع الطللية والخمرية وغيرهما. وانقسم النقاد إلى فئتين:
-فئة تدعوا على الإلتزام بتقاليد المطلع المعروفة في التراث الشعري كما استوت دون تجديد أو تطوير.
-فئة تدعوا إلى التجديد في المطلع، في نطاق التراث الشعري، وليس الإتيان بما لم يعرف فيه.
ومن الفئة الأولى؛ دعا ابن خلدون الشعراء إلى الالتزام بمذهب القدماء في بناء المطالع، وأن الخروج عليها هو خروج إلى الشعر الفاسد، يقول:"فإن لكل فن من الكلام أساليب تختص به وتُجَدُ فيه على أنحاء مختلفة فسؤال الطلول في الشعر يكون بخطاب بِخِطاب الطلول كقوله:"
قِفَا نَسْأَلِ الدَّارَ التِي خَفَّ أَهْلُهَا
أو باستبكاء الصَّحب على الطلل كقوله:
قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِل
أو بالاستفهام عن الجواب لمخاطب غير معيَّن كقوله:
أَلَمْ تَسْأَلْ فَتُخْبِرُكَ الرُّسُومُ
ومثل تحيَّة الطلول بالأمر لمخاطب غَيْرِ معيَّنٍ بتحيَّتِها كقوله:
حيّ الديَّار بجانب الغزل
أو بالدعاء لها بالسقيا كقوله:
يا برق طالع منزلا بالأبرق ... واحد السّحاب لها حداء الأينق
أو مثل التفجُّع في الجزع باستدعاء البكاء كقوله:
كذا فليجلَّ الخَطْبُ ولْيَقْدَحِ الأمرُ ... وَلَيْسَ لعينِ لم يفضْ ماؤها عُذْرُ" [3] "
(1) - الذيل والتكملة، السفر الأول، القسم الأول، ص:337.
(2) - منهاج البلغاء، ص:311.
(3) - المقدمة، ص:786 - 787.