فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 138

تقدَّم عليها وتأخر عنها، وذلك غير عزيز. أما بناء أكثر البيت على القافية فيقع فيه التكلّف كثيرا، لأنه لا يخلو من أن يكون الطرف المتقدم في المبنى من المعنى مناسبا للبيت الذي قبله فيكون ما تقدَّم عليه لتكميل البيت فضلا لا يحتاج إليه، وإن لم يكن مناسبا لما تقدَّم فبعيد أن يقع قبله لفظة أو لفظتان تنتسب إليه وإلى ما تقدَّم انتسابا قويًّا، فيقع التكلف أيضا" [1] ."

-مآخذ الرأي الثاني:"وأما مآخذ الثلاثة في المذهب الثاني فقلَّ ما تخلو من التكلف. وأشدها إعراقا في التكلف ما بني أكثر البيت على أوله ثم استؤنف بعد ذلك النظر في القافية. وقد تعرض للخواطر في حال جمامها نهزَ في نظم الكلام فينتظم البيت كلّه دفعة في غاية السهولة والبعد عن التكلف. واتفاق مثل هذا للمطبوعين كثير. ووجوه اجتلاب الخواطر للكلام وطروّه عليها كثير. وإنما ذكرت منها ما تيسَّر" [2] .

مما سبق؛ لقد تناول حازم القرطاجني القضية بعمق أكبر مما تناوله به نقاد القرن الهجري الثامن في النصوص السابقة. وإن كان هؤلاء سلكوا نفس اختيار حازم ومن سبقه: ابن طباطبا والعسكري وابن رشيق.

ثانيا: صلة القافية بمعنى البيت.

تعتبر القافية مصب معنى وعاطفة وموسيقى الحشو في البيت، فاختيارها من لدن الشاعر لا يكون بالصنعة بقدر ما يكون من خلال ما يفرضه جو البيت ووزنه ومعناه وانفعالات الشاعر. وقد تناول نقاد القرن الهجري الثامن صلة القافية بمعاني البيت من خلال مجموعة من النصوص النقدية والحكايات الأدبية:

يرى الشريف السبتي أن القافية لا فائدة منها، ما لم تكن وليدة معنى حشو البيت، يقول شارحا بيتي حازم:

تَزْدحِمُ الوحوشُ فيه سُحْرَةً ... وتَلْتَقي فيه إذا صَرَّ الدَّبَى،

تُرَى به أظْلافُها نَوَاصِلا ... بين حديثٍ وقديمٍ منتضى [3]

بقوله:"وقوله:"بين حديث وقديم منتضى"، يريد"بالمنتضى"البالي الخلِق. يقال: أنْضَيْتُ الثَوْبَ وانتضيته إذا أبليتُه وَأَخْلَقْتُه. أو يكون قوله:"منتضى"من قولهم: نضا ثوبه إذا خلعه، لأن خروجه من موضعه خّلْعٌ له. وَحَمْلُهُ على المعنى الأول أوقع، لأن قوله:"نواصلا"يعطي معنى الخلق، فتكون القافية لا فائدة لها إلا ما أفاده"النواصل"، وهو على المعنى الأول يفيد من الأخلاق ما لم يستفد بدونه" [4] ، رجح هذا الناقد معنى البيت بناء على معنى القافية، وكأنه يؤكد على مركزية معنى القافية وثباته، وأن معنى الحشو يجب أن يكون خاضعا لسلطانه، وأن تأويل معانيه يجب أن تكون في حدود ما يسمح به معنى هذه القافية.

(1) - منهاج البلغاء، ص:281.

(2) - منهاج البلغاء، ص:282.

(3) - رفع الحجب المستورة، ج 3، ص:997.

(4) - رفع الحجب المستورة، ج 3، ص،999.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت