تناول حازم القرطاجني هذين الرأيين -كذلك- بقوله:"لا يخلو الشاعر من أن يكون يبني أوَّل البيت على القافية أو القافية على أول البيت. وكلا صاحبي هذين المذهبين لا يخلو أن يكون ممن يعتمد أن يقابل بين المعاني ويناظر بينها أو ممَّن يعتمد أن يقابل بين المعاني ويناظر بينها أو ممَّن لا يقابل بين شيء منها اعتمادا" [1] ، ويسوق حجج كل من الرأيين:
-الرأي الأول:"وأما معتمد التقابل الذي صدور أبياته مبنية على القوافي فإنه يتأتى له حسن النظم لكون الملاءمة بين أوائل البيوت وما تقدمها -التي هي واجبة في النظم- متأتية له في أكثر الأمر، إذ لكل معنى معان تناظره وتنتسب إليه على جهات من المماثلة والمناسبة والمخالفة والمضادة والمشابهة والمقاسمة. فإذا وضع المعنى في القافية أو ما يلي القافية وحاول أن يقابله ويجعل بإزائه في الصدر معنى على واحد من هذه الأنحاء لم يبعد عليه أن يجد في المعاني ما يكون له علقة بمعنى القافية وانتساب إليه من بعض هذه الجهات، وعلقة بما تقدم من معنى البيت الذي قبله، أو بأن يقدم على المعنى المقابل لمعنى القافية ما يكون له علقة بما تقدم، يبني نظمه متلائما هذا" [2] .
-الرأي الثاني:"وأما معتمد التقابل الذي قوافيه مبنية على الصدور فإنه يضع المعنى في أوَّل البيت ثم ينظر فيما يمكن أن يكون بنفسه قافية أو ما يمكن أن توصل به قافية مما يكون له زيادة إفادة في المعنى، فيقابل به المعنى الأول. لكن صاحب هذا المذهب وإن وسَّع على نفسه أوَّلا، في كونه يختار ما يضعه في صدر بيته ويبني عليه كلامه مما له علقة بما تقدم، فقد ضيَّق على نفسه بكونه لا يمكن أن يقابل المعنى المتقدم من المعاني المتناظرات إلا بما مقطع عبارته وصيغتها موافق للروي أو بما يمكن أن يوصل بما يصلح للرويّ بالصيغة والمقطع. والأول معوز جدّا، والثاني قريب منه في العوز" [3] .
وبعد استعراضه لهذين الرأيين، يقدم حازم مآخذه عليهما، وإن كان يعلن ترجيحه للرأي الأول (بناء البيت على القافية) ، وحصرها في ثلاثة مآخذ على كل رأي؛ يقول:"فقد تبيَّن أن الشعراء لهم مذهبان في بناء الشعر، وأن كل مذهب له ثلاثة مآخذ" [4] :
-مآخذ الرأي الأول:"فالمذهب المختار -وهو بناء البيت على القافية- يحسن فيه بناء البيت بأسره على القافية إذا لم يحتج فيه على مناسبة متقدّم، أو إذا احتيج وتيسَّر وجه المناسبة، ويحسن أن يبنى عليها من أوَّل الشطر الثاني أو ما يتَّصل به ممَّا قبله حيث يكون البيت وُصْلة بين فصلين أو طرفي فصل، ثم يبني الشطر الأول بعد عدم صعوبة القافية على عبارة تليق بما"
(1) - منهاج البلغاء وسراج الأدباء، أبو الحسن حازم القرطاجني، تقديم وتحقيق محمد الحبيب ابن الخوجة، دار الغرب الإسلامي، ط 3، بيروت، 1986 م، ص:278.
(2) - منهاج البلغاء، ص:278.
(3) - منهاج البلغاء، ص:279.
(4) - منهاج البلغاء، ص:281.