عرف الإيقاع الشعري العربي تطويرا وتجديدا منذ أن أتمه واضعه الخليل بن أحمد بن أحمد الفراهيدي، إما على يد الشعراء الثائرين [1] على هذه القوالب الموسيقية المعروفة من خلال التعديلات الجزئية، أو من خلال الحركات الإبداعية التي أوجدت لها قوالب موسيقية جديدة. وواكب النقد الأدبي العربي هذه التطورات والتجديدات، فاختلفت آراؤهم حولها.
وقد اتخذت هذه التجديدات والتطويرات أشكالا متنوعة، نكتفي بالإشارة إلى: ظهور حركات مجددة في الشرق مثل عروض الدوبيت، ثم انتقاله إلى باقي العالم، وظهور الموشحات في الغرب الإسلامي ثم شيوعها في باقي أقطار العالم، وهو تقسيم قال فيه خالد بن عيسى البلوي:"لما عدت من العراق، وأنشدته من محاسن الدوبيتات ما أمر بكتبه ثم قال لي هذا طراز لا تحسنه المغاربة فقله له يا خوند كما أن الموشحات والأزجال طراز لا تحسنه المشارقة، والمحاسن قد قسمها الله على البلاد والعباد. قال: صدقت" [2] . فارتبط الإيقاع في هذه العصور المتأخرة بالعامل القطري، خلاف ما كان عليه في التراث العربي. ثم ظهرت الأزجال باعتبارها إيقاعات جديدة متأثرة بالإيقاع العربي في القبائل والأقطار الصغرى، فانتقل الإيقاع -مرة أخرى- إلى البعد القطري الدقيق. وهكذا تطور الإيقاع العربي من مرحلة الوحدة الإيقاعية العربية، إلى إيقاعات قطرية انتقلت هي الأخرى من قطر إلى آخر.
أولا: الدوبيت في مصادر النقد الأدبي في القرن الهجري الثامن.
ذهب الباحثون إلى أن أصل هذا الشعر هو الأدب الفارسي القديم في القرن الهجري الخامس [3] ، لكن الكتب النقدية التي تناولت إيقاع هذا الشعر، لم تظهر إلا في القرن الهجري السابع من خلال كتاب"المعجم في معايير أشعار العجم"الذي ألفه شمس الدين محمد بن قيس الرازي، ثم نقل إلى الفارسية، وفُقِد الأصل العربي. وهو"أقدم ما وصلنا من مصنفات في العروض، وعروض الدوبيت عند الفرس" [4] .
هكذا يبدو أن الدوبيت شعر فارسي، ونقده نقد عربي خالص، امتد شعرا ونقدا إلى الغرب الإسلامي على العهد المريني من خلال وجود رسائل وكتب في الموضوع، ونكتفي بذكر ودراسة بعض منها:
-رسالتان فريدتان في عروض الدوبيت [5] لمالك بن المرحل (تـ 699 هـ) .
(1) - مثل أبي العتاهية في القرن الهجري الثاني من خلاله خروجه عن العروض الخليلي خروجا واعيا، مع معرفته بالعروض.
(2) - تاج المفرق في تحلية علماء المشرق، ج 2، ص:135.
(3) - رسالتان فريدتان في عروض الدوبيت، مالك بن المرحل، تحقيق وتقديم هلال ناجي، مجلة المورد، تصدرها وزارة الإعلام العراقية، العدد 3 و 4، 1974، مقدمة المحقق، ص:159.
(4) - رسالتان فريدتان في عروض الدوبيت، مقدمة المحقق، ص:159.
(5) - يرى محمد الفهري محقق كتاب زهرة الظرف أن لابن المرحل رسالة واحدة فقط وسماها:"الملحة"، وأما الرسالة الثانية فهي لصهره أبي إسحاق ابراهيم التلمساني (تـ 690 هـ) ، أو لأبي عبد الله محمد الدراج (تـ 693 هـ) . مقدمة تحقيقه للكتاب المذكور، ص:6. ويشكك كذلك محقق هاتين الرسالتين في نسبة الثانية لمالك بن المرحل، ويرجح أنها لناقد أندلسي من القرن السابع الهجري، ويلمِّح -ظنًّا- إلى أنها قد تكون لصهره التلمساني (تـ 690 هـ) دون أن يملك الدليل على ذلك، في حين نجد أن الباحث عبد الإلاه كنفاوي ينسبها إلى أبي عبد الله الدراج (تـ 693 هـ) من دون دليل.