وإلى جانب شوقي ضيف، سار على هذا الرأي العديد من الباحثين، ومن أهمهم: مصطفى بدوي [1] ، وغالي شكري [2] ، وأدونيس [3] .
كان هذا تمهيدا للدخول إلى نظرات نقاد القرن الهجري الثامن للوحدة العضوية للقصيدة، وهو تمهيد يبرز مقدار الجدل الدائر بين المحدثين، ويعكس كذلك الجدل الذي دار بين القدماء قبلهم.
تتبع نقاد القرن الهجري الثامن الأسس المنطقية التي بنيت عليها القصيدة الشعرية، حتى تكون محكمة البناء، كما نبهوا -كذلك- إلى القصائد التي تفتقر إلى هذه الوحدة، يقول ابن الخطيب مترجما للشيخ أبي عبد الله بن ورد:"لودن حلبة الآداب، وسنور عبد الله بيع بقيراط لما شاب. هام بوادي الشعر مع من هام، واستمطر منه الجمام، فجاء بأبيات أوهن من بيت العنكبوت نسجا" [4] . فهذا الناقد يعيب على المبدع تهلهل أبيات قصيدته، وعدم إحكام نسجها.
ويدعو الثعالبي الفاسي إلى الحفاظ على هذا الترتيب المنطقي بقوله:"ينبغي للشاعر أو الجامع في قصيدته فنونا من الكلام كالعزل والمديح وغيرها أن يحافظ على ثلاثة مواضع وهي الابتداء والتخلص والانتهاء" [5] . ووفقا لهذا النص؛ تخضع القصيدة الشعرية القديمة لترتيب منطقي موروث، يبدأ بالمبدأ ثم الأبيات ثم الفصول ثم الخاتمة، فتشكل بذلك القصيدة وحدة متحدة الأجزاء متلائمة الأقسام.
لكن، عرف هذا الترتيب ثورات من لدن بعض المبدعين والنقاد، وقد كان للشريف السبتي وقفةٌ مع هذه الثورات على هذا الترتيب المنطقي بقوله:"وقد أبدع صاحبنا الفقيه البليغ أبو عبد الله بن الخطيب في قوله:"
فكأنما ليلي قصيدتي ... والصبح فيه تخلصي لمديح
وقال أبو الحكم مالك بن المرحل يذكر المعنى الذي لأجله يقدّمُ الغزل على المدح، فأحسن ما شاء:
ضل المحبون إلا شاعرا غزلا ... يطارد المدح بالتشبيب أطوارا
لا يشتكي الحب إلا في مدائحه ... دعوى ليصغي أسماعا وأبصارا
كضارب العود وشى فيه توشية ... وبعد ذلك عنى فيه أشعارا
(1) - دراسات في الشعر والمسرح، دار الحامي للطباعة، ط 1، القاهرة، 1960 م.
(2) - صراع الأجيال في الأدب المعاصر، دار المعارف بمصر، القاهرة، 1971 م.
(3) - مقدمة في الشعر العربي، دار الفكر، ط 5، بيروت، 1406 هـ/1986 م، ص:30 وما بعدها.
(4) - الإكليل الزاهر فيمن فضل عن التاج من الجواهر، ص:124.
(5) - أنوار التجلي، الورقة:3.