فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 138

ففي هذا البيت يظهر التوازن بين المقاطع المختتمة بنفس الحرف.

ويعتبر التسهيم -كذلك- من الأسس الجمالية التي تحكم البيت الشعري، من خلال ربط أوله بآخره، ويعرف السجلماسي بقوله:"هو المدعو عند قوم -ومنهم قدامة- التوشيح والموشح، وعند قوم -ومنهم ابن وكيع- المطمع. وعلي بن هارون المنجم هو الذي يسميه التسهيم و"المسهم"... وهو: قول مركب من جزئين كل جزء منهما يدل على معنى هو نوع قسيم في أمر ما، كلي مدلول عليه بجملة القول. غير مصرح فيه بالأمر الكلي إليهما وارتقائها إليه فقط، بل ومن جهة نسبة أخرى بينهما من وجوه النسب ونحو آخر من أنحاء الارتباطات والوصل، وقال قوم:"التوشيح هو أن يشهد أول البيت بقافيته، وأول الكلام بآخره" [1] ؛ ويمثل لهذا الأسلوب في الشعر بقول الحسن البغدادي [2] :"

وَلَوْ أَنَّنِي أُعْطِيتُ مِنْ دَهْرِيَ المُنَى ... وَمَا كُلُّ مَنْ يُعْطَى المُنَى بِمُسَدَّد

لَقُلْتُ لِأَيَّامٍ مَضَيْنَ: أَلاَ ارْجِعِي ... وَقُلْتُ لِأَيَّامٍ أَتَيْنَ: أَلاَ ابْعِدِي

خلاصة المطلب الثاني:

يعتبر الاهتمام بوحدة البيت مدخلا للنظرة التجزيئية للقصيدة الشعرية. وهي نظرة عرفت لدى نقاد القرن الهجري الثامن، كما عرفت لدى العرب القدماء. وقد اتخذت هذه الوحدة أشكالا نذكر منها: الوحدة المعنوية، والوحدة التغريضية، والوحدة الجمالية.

المطلب الثالث: وحدة القصيدة في النقد الأدبي.

على الرغم من النظرة التجزيئية التي أشرنا إليها في المطلب السابق، فإن بعضا من نقاد القرن الهجري الثامن قد تناولوا بعض المواضيع المتعلقة بوحدة القصيدة الشعرية في كليتها. وإن كانت هذه النظرة للوحدة، لا تعني أنهم فهموا بحق هذه الوحدة في بعدها النفسي والجمالي والمعنوي، بقدر ما كانت وحدة سطحية شكلية لا تنفذ إلى عمق مقصود الشاعر. وقد كان للدارسين المحدثين نقاشات ومطارحات في هذه القضية، فانقسموا حيالها إلى فئتين: حشدت كل منهما ما استطاعت جمعه من الأدلة والنماذج الشعرية القديمة لتبرر به صحة دعوتها، منطلقة من نموذج لقصيدة شعرية لإبراز وجود هذه الوحدة أو انتفائها، فقد حلل الدكتور طه حسين قصيدة لبيد في كتابه حديث الأربعاء، ليفجر من خلال هذا التحليل عمق الإشكالية و يدخل في صراع مع مخالفيه، متهما إياهم بعدم التعمق في إدراك كنه هذا الشعر القديم، يقول:"أجبني ما صنع الله بوحدة القصيدة عن شعرائك القدماء؟ قلت: صنع الله بها خير ما يصنع بآثاره، فأوجدها وأتقنها، أتمها إتماما لا شك فيه، ولا غبار عليه، وما سمعت من خصوم الشعر القديم حديثهم عن وحدة القصيدة عند المحدثين وتفككها عند القدماء إلا ضحكت"

(1) - المنزع البديع، ص:361.

(2) - المنزع البديع، ص:361.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت