ثانيهما: أن"لُمًى"المختوم به البيت لو حملَ على أنَّه مفعول لم يسغ إلاَّ على رأي أن الألف في المنصوب المنوَّن أصلية في الوقف، أو على لغة من قال: جعل القَيْنُ على الدّفِّ الإبرْ" [1] . فهذا الناقد يشير إلى المناسبة اللغوية، بمعنى أن يكون كل من الصدر والعجز على تركيب واحد: تقدم المفعول على الفاعل."
وتناول كذلك ابن البناء المراكشي ملمح التناسب في البيت الشعري، يقول:"ويُكْتَفى في الأشياء المتناسبة بذِكْرِ الطَّرَفَين، ويُحْذفُ الوسطان فيكتفى بالمقدَّم من إحدى النِسْبَتين، وبالتالي من الأخرى لأنَّ الطرفين حاصران للوسطين ويدلاَّن عليهما لأجل ارتباط التناسب. والتي يكتفى بمقدِّمها وَيُحْذَفُ تاليها هي الأولى أبدا في مشاكلة التناسب وإن كانتْ متأخرة في الخطاب" [2] ، فهذا الملمح يقوم على حذف الوسطين وترك الطرفين، وذلك لإعطاء جمالية للبيت الشعري من جهة، ولمساعدته على إتمام المعنى في أقل الألفاظ. فلا يخرج عنه فيسقط في عيب التضمين، إذا انتهى عروض البيت، وانتهت معه الألفاظ المسموح دون الإلمام بالمعنى. ومن الأمثلة الشعرية التي ساقها بيت أبي صخر الهذلي (تـ 80 هـ) :
وإني لتعروني لذكراكِ فَتْرَةٌ ... كما انتفض العصفور بلَّلَهُ القطرُ
وعلق عليه بقوله:"نسبة فترته إلى انتفاضته لأجل المخاطب، كنسبة فترة العصفور إلى انتفاضته لأجل بلل القطر، اكتفى بالطرفين كما ترى" [3] .
هكذا وقف نقاد القرن الهجري الثامن على وحدة البيت الشعري الجمالية، وهي فكرة لا نعدمها لدى النقاد العرب القدماء، ونكتفي بما جاء لدى حازم القرطاجني الذي يقول:"ومن كان من شأنه أن يبنى أواخر الأبيات على أوائلها فإنه يتطلب معنى يناسب ما تقدم ويمكن في عبارته مع ذلك أن يتأتَّى في ما يلائم تلك القافية منها أن تؤخر فتكون القافية. وكثيرا ما تتبع معاني من شأنه هذا ألفاظه في القوافي، وذلك عيب" [4] .
وإلى جانب ملمح التناسب، يعتبر ملمح التوازن والموازنة من الأسس الجمالية التي يقوم عليها البيت الشعري، وقد أشار السجلماسي إلى ذلك من خلال تعريفه له بقوله:"هي إعادة اللفظ الواحد بالنوع في موضعين من القول فصاعدا هو فيهما مختلف النهاية بحرفين متباينين، وذلك أنه تصييرُ أجزاء القول متناسبة الوضع متقاسمة النظم معتدلة الوزن، متوخًّى في كل جزءٍ منهما أن يكون بِزِنَةِ الآخر دون أن يكون مقطعاهما واحدا" [5] . ومن الأمثلة الشعرية يقول أبي العلاء:
الطَّاهِرُ الآبَاءِ وَالأَبْنَاءِ وَالـ ... ــآرَابِ وَالأَثْوَابِ وَالأُلاَّفِ [6]
(1) - رفع الحجب المستورة، ج 3، ص:928 - 931.
(2) - الروض المريع، ص:143.
(3) - الروض المريع، ص:145 - 146.
(4) - منهاج البلغاء، ص:280 - 281.
(5) - المنزع البديع، ص: 514.
(6) - المنزع البديع، ص:517.