فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 138

تَمُرُّ بِكَ الأَبْطَالُ كَلْمَى هَزِيمَةً ... وَوَجْهُك وضَّاحٌ وَثَغْرُكَ بَاسِمُ

فإن التناسب فيه هو أن يكون صدر الأول للثاني، وصدر الثاني للأول، لأنَّ لِمَا قال امرؤ القيس وَجْهًا من هذه الأنحاء الأربعة، وكذلك ما قاله أبو الطيب. وللمنفصلِ في التقصِّي عن عُهْدَةِ إلزامه أن يُجيب بما يَسْتَتِبُّ له في الوضع من أحد هذه الأنحاء مثال ذلك ما حُكِيَ أنه لما أنشد أبو الطيب المتنبي سيف الدولة قصيدته الميميَّة التي أولها:

عَلَى قَدْرِ أَهْلِ العَزْمِ تَأْتِي العَزَائِمُ ... (وَتَأْتِي عَلَى قَدْرِ الكِرَامِ المَكَارِمِ)

وقد غضَّ المجلس بالعلماء والشعراء والأدباء وجهابذة النقد، فلمَّا أتى على آخرها استحسنها الحاضرون جميعا، فقال أحدهم:"إنها حسنة لولا أن فيها شيئا"قال سيف الدولة:"وما ذلك؟"قال: إنه لمَّا قال فيها:

وقفتَ وما في الموت شكٌّ لواقف ... كأَنَّك في جفن الردى وهو نائم

تمرُّ بك الأبطال كلمى هزيمةً ... وَوَجهك وضَّاح وثغرك باسم

ولو ركب عجز البيت الأول على صدر الثاني، وعجز الثاني على صدر الأول لكان أحسن في صناعة الشعر، وأليق بالمعنى وباللفظ، فكان يقول:

وقفت وما في الموت شكٌّ لواقف ... وَوَجهك وضَّاح وثغرك باسم

تمرُّ بك الأبطال كلمى هزيمةً ... كأَنَّك في جفن الردى وهو نائم" [1] "

فهذا التصويب على مستوى ملمح التناسب في البيت الشعري لا يدركه إلا الناقد البصير، وهو ما دفع الحاضرين إلى الموافقة عليه واستحسانه، يقول:"فاستغرب الحاضرون هذا النقد وصوَّبوا رأي المنتقد وقالوا كلهم:"لو قال ذلك لكان يصيب الصواب" [2] . فقد كان للنقاد القدماء ومنهم السجلماسي تلك الخلفية الجمالية في تقويم الشعر عامة، وفي بناء البيت الشعري بصفة خاصة."

وقد كان -كذلك- حضور هذا الملمح الجمالي في شرح الشريف السبتي لبيت حازم القرطاجني:

وَسَاعَدَتْ رَوَاغيًا صَوَاهِلٌ، ... وجاوَبَتْ لُمًى بِشَكْوَاهَا لُمَى

بقوله:"والوجه أن يكون"لُمى"الأخير رفعا على الفاعلية، و"لُمًى"المتقدم مفعولا مقدَّما لأمرين:"

أحدهما: المناسبة بين صدر البيت وعجزه، فكما تقدُّم المفعول على الفاعل في الصدر فكذلك يكون العجز يتقدم فيه المفعول.

(1) - المنزع البديع، ص:521 - 522.

(2) - المنزع البديع، ص:522.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت