يعرف السجلماسي المناسبة بقوله:"تركيب القول من جزأين فصاعدا كلُّ جزء منهما مضافٌ إلى الآخر ومنسوب إليه بجهةٍ ما من جهات الإضافة، ونحو ما من أنحاء النسبة. والمناسبة في أجزاء القول اسم جنس متوسط تحته أربعة أنواع: الأول: إيراد الملائم، الثاني: إيراد النقيض، الثالث الانجرار، الرابع: التناسب" [1] . وقد أبرز ملمح التناسب في البيت الشعري الواحد من خلال الأمثلة التي ذيل بها تنظيره لهذا الملمح الجمالي والأسلوب البديعي. مؤكدا على أن اختلال هذا المبدأ الجمالي في البيت الشعري عيب،"فإن تنكُّب عن المناسبة رَأْسًا وسلك سبيلا غيرها جملةً فضرس في النهج وأساء في النظم فذلك هو العيب، وهناك يكون للمؤاخذة سلطان عليه ولمحكِّ النقد سبيل إليه، ولذلك عيب على الكميت قوله:"
(أم هل ظعائن بالعلياء نافعة) ... تَكَامَلَ فِيهَا الدَّلُّ وَالشَّنَبُ
لأن الدل غيرُ شبيه بالشنب. وعلى عُكاشة العمِّي أيضا قوله:
(مِنْ كَفِّ جَارِيَّةٍ كَأَنَّ بَنَانَهَا) ... مِنْ فِضَّةٍ قَدْ طُوِّقتْ عُنَّابًا
لأن العناب غير مناسب للفضة" [2] ."
ونظرا لأهمية هذا الملمح الجمالي في بناء البيت الشعري، فقد اختلف النقاد حوله من خلال تناولهم لبعض الأبيات الشعرية، وعرفت مجالس الأدب والنقد مماحكات حول تناسب أجزاء هذا البيت أو ذاك:
رفض السجلماسي رأي النقاد القدماء القائل بعدم تناسب أبيات امرئ القيس التالية:
كَأَنِّيَ لَمْ أَرْكَبْ جَوَادًا لِلَذَّةٍ ... وَلَمْ أَتَبَطَّنْ كَاعِبًا ذَاتَ خَلْخَال
وَلَمْ أَسْبَإِ الزِّقَّ الرَّويَّ وَلَمْ أَقُلْ ... لِخَيْلِي: كُرِّي كَرَّةً بعدَ إِجْفَالِ [3]
بقوله:"ولم يكن نقد قول امرئ القيس ... بأنه غير مناسب، وأن التناسب فيه عكس هذا وهو أن يكون صدر البيت الأول للثاني وصدر الثاني للأول" [4] .
ويحتج السجلماسي لنقده الجمالي السابق بالرجوع إلى التراث العربي القديم، فيقدم لنا حكاية حول قضية التناسب في البيت الشعري، ليقول إن ديدن النقاد القدماء في مجالسهم الأدبية، تداول مثل هذه القضايا المتصلة بالنقد الجمالي للبيت الشعري، يقول هذا الناقد: ولا نقد قول أبي الطيب [5] :
وَقَفْتَ، وَمَا فِي المَوْتِ شَكٌّ لِوَاقِفٍ ... كَأَنَّكَ فِي جَفْنِ الرَّدَى وَهْوَ نائِمُ
(1) - المنزع البديع، ص:518.
(2) - المنزع البديع، ص:519 - 520.
(3) - المنزع البديع، ص:520.
(4) - المنزع البديع، ص:520.
(5) - المنزع البديع، ص:521.