فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 138

ويسترسل في ذكر المطالع التي عرفت في الشعر العربي القديم، ثم يختم هذا الاستعراض لهذه المطالع بالدعوة إلى عدم الخروج عليها. يقول:"فإن خرج عن القالب في بنائه أو عن المنوال في نسجه كان فاسدا" [1] .

وفي مقابل دعوة ابن خلدون إلى السير على نهج القدماء في بناء المطالع، نجد أن الفئة الأخرى من النقاد كانوا يدعون إلى التجديد فيها، بل ويصرحون باستهجان تقليد القدماء في المطالع، يقول ابن رشيق:"وينبغي للشاعر أن يجوِّد ابتداء شعره؛ فإنه أول ما يقرع السمع، وبه يستدل على ما عنده من أول وَهْلَة، وليجتنب"ألا"و"خليلي"و"قد"فلا يستكثر منها في ابتدائه؛ فإنها من علامات الضعف والتكلان، إلا للقدماء الذين جروا على عرق، عملوا على شاكلة." [2] وأما الآمدي (تـ 370 هـ) في موازنته، فإنه تتبع ابتداءات كل من أبي تمام والبحتري، وكان يقيسها على ابتداءات القدماء، وكان يرى أن أجودها ما سار على نهجها ولم يقلدهم فيها. ومن الأمثلة يقول:"قال أبو تمام:"

ليس القوف يكفُّ شوقك فانزل ... وابْلُلْ غَلِيلَك بالمدامع يَبْلَلْ

ثم يقوم بالمقارنة مع الشعر القديم بقوله:"وهذا معنى ظريف، وقد جاء مثله في الشعر، قال الأصم الباهلي، وأظن أبا تمام عثر به واحتذى عليه؛ لأنه كان مولعا بغرائب الألفاظ والمعاني:"

أتنزل اليوم بالأطلال أم تقفُ ... لا بل قف العيس حتَّى يَمْضي السَّلَف [3]

رابعا: علاقة المبدأ بالمعنى والغرض.

يمكن للمتلقي أن يعرف معنى البيت وغرض القصيدة وخلفية المبدع المعرفية من خلال المبدأ، ومن الأمثلة على ذلك ما جاء به ابن خلدون حين قال:"أخبرني صاحبنا الفاضل أبو القاسم بن رضوان كاتب العلامة بالدولة المرينية قال: ذكرت يوما صاحبنا أبا العباس بن شعيب كاتب السلطان أبي الحسن وكان المقدَّم في البصر باللِّسان لعهدِه فأنشدتُهُ مطلع قصيدة ابن النحوي ولم أنْسِبْها له وهو هذا:"

لَمْ أَدْرِ حِينَ وَقَفْتُ بِالأَطْلاَلِ ... مَا الفَرْقُ بَيْنَ جَدِيدِهَا وَالبَالِي

فقال لي على البديهة: هذا شعر فقيه، فقلت له: ومن أين لك ذلك، فقال: من قوله مالفرق؟ إذ هي من عبارات الفقهاء وليسْ من أساليب كلام العرب، فقلت له: للَّه أبوك إنَّه ابن النحوي" [4] . فمن خلال هذا النص نجد أن هذا الناقد فهم الخلفية المعرفية للشاعر من خلال مطلع قصيدته، فيكون بذلك هذا المطلع هو المنبئ عن غرض ومقصد القصيدة."

(1) - المقدمة، ص:787 - 788.

(2) - العمدة، ج 1، ص:218.

(3) - الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري، الحسن بن بشر الآمدي، تحقيق السيد صقر، دار المعارف، ط 4، ج 1، ص:431.

(4) - المقدمة، ص:797.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت