كذلك تلك النَّبْلُ مَنْ صُرِفَتْ لَهُ ... وَمَنْ صُرِفَتْ عنه من النَّاسِ مُقْصَدُ
إذا عَدَلَتْ عنَّا، وَجَدْنا عُدُولَها ... كموقِعِها في القلبِ، بَلْ هُوَ أَجْهَدُ
تَنَكَّبُ عَنَّا، مرَّةً فكأنَّما ... مُنَكِّبُها، عَنَّا، إِلَيْنَا مُسَدِّدُ [1]
وعقَّب على هذه الأبيات بقوله:"فقد تسلسل في المعنى وتصرَّف فيه، وأَبْرَزَهُ في عبارات شتَّى، ومال به إلى جهات من المقاصد، بخلاف أبيات الناظم، فإنه لم يفدْ في واحد منها غير ما أفاده في الآخر، فهي في باب الأقبح أدخلُ" [2] .
تعتبر القصيدة الشعرية إبداعا فرديا للشاعر، يعكس فيها حرارة تجربته الشخصية في الحياة، في تفاعله مع أحداثها، والاستجابة لمؤثراتها؛ فيأتي كل ذلك في شكل إبداع، وهو إبداع مهما كثرت أقسامه وأبياته، وتعددت أساليبه وعباراته، فإنه كله يخضع لسلطان الجو النفسي الذي عاشه الشاعر.
يبحث خالد بن عيسى البلوي الوحدة النفسية للقصيدة من خلال نص ورد في رحلته"تاج المفرق"، يقول:"وقرأت عليه من نظمه قصيدة بارعة يصف فيها غرناطة وطنه ويبث فيها شوقه وشجنه ويندب معاهده بها ومشاهده، ويذكر مصادره بينها وموارده، وأولها:"
هل تذكرين منازلا بالأحبل ... ومنازهما حفت بشطي شنل" [3] "
يرى هذا الناقد أن الناظم بنى قصيدته في جو نفسي: وقوفه على أطلال غرناطة متذكرا أيامه وذكرياته، مخاطبا إيَّاها، باثا شوقه وحنينه إليها. على الرغم من خروج الشاعر من جزء إلى جزء داخل القصيدة: خروجا تركيبيا وتغريضيا ومعنويا، فإن ثمة سلكا ناظما يجمع شتاتها، ويجعلها كتلة نفسية واحدة.
رابعا: الوحدة النظمية في القصيدة الشعرية.
لقد ورثت القصيدة الشعرية وحدتها النظمية لاحقا عن سابق، واحتفظت بها إلى العصور المتأخرة، إلى أن بدأت بوادر التجديد والتطور تذب في أوصالها من خلال أنماط شعرية: الموشحات مثلا.
ولهذا عُرِفت القصيدة الشعرية العربية بوحدتها النظمية منذ القديم، وذلك ناتج عن تشدد النقاد والمبدعين في الحفاظ عليها وعدم التفريط فيها تحت أي تأثير أو مثاقفة. وكل من أخل بهذه الوحدة، عُدَّ كلامُه خارجا عن الشعر، يقول ابن خلدون:"يراعى فيه اتفاق القصيدة كلها في الوزن الواحد حذار من أن يتساهل الطبع في الخروج من وزن إلى وزن يقاربه فقد يخفى ذلك من أجل المقاربة على كثير من الناس، ولهذه الموازين شروط وأحكام تضمَّنها علم العروض وليس كل وزن"
(1) - رفع الحجب المستورة، ج 1، ص:416 - 417.
(2) - رفع الحجب المستورة، ج 1، ص:417.
(3) - تاج المفرق في تحلية علماء المشرق، ج 2، ص:25 - 26.