نقل ابن رشيد الفهري قصيدة لابن الحاج البزار (تـ 721 هـ) ، ووجد أنها مفككة لا تلاؤم بين أقسامها، وهو حكم عام، يفتقر إلى ما درج عليه النقاد في تناول لجزئيات القصيدة، والإشارة إلى مكمن الخلل في أقسامها. ومطلعها:
عَرَّجَ بِبَابِ المُنْحَنَى وَقِبَابِهِ ... وَاسْأَلْ أُهيْلَ الحَيِّ عَنْ أَعْرَابِه
وعقب عليها بقوله:"انتهت القصيدة. وهي وإن كانت في بعض أبياتها لطافة وحلاوة وعلى بعضها طلاوة، فهي عديمة التلاؤم غير متناسقة الأبيات" [1] ، يقرُّ ابن رشيد بوحدة البيت المعنوية والجمالية، ولما قرأ هذه القصيدة استحسن بعض الأبيات فيها، إلا أنه عاب على المبدع عدم ملاءمة هذه الأبيات، إذ لا يكفي أن يحسن الشاعر بناء البيت مفردا مستقلا، بل لا تكتمل صنعته إلا بملاءمة الأبيات بعضها البعض.
• التنويع.
كما سبقت الإشارة، إن توظيف أساليب الخروج والالتفات والتخلص هي بهدف التنويع في الأسلوب حتى لا يتطرق الملل والضجر إلى نفس المتلقي، ولهذا وجب التنويع في هيكلة القصيدة. وقد تناول الشريف السبتي هذا الملمح في دراسته للبناء الفني للقصيدة من خلال شرحه لأبيات حازم:
فاعْمُمْ بِأَوْصَافِ العُلاَ كَمَالَهُ ... وَاسْتَثْنِ فِي وَصْفِ سِواهُ بِـ"سِوَى"
لا تُجْرِ نَعْتَ مَنْ عَدَاهُ مُطْلَقًا ... فِي المَجْدِ، بَلْ مُقَيَّدًا بِمَا عَدَا
فَمَنْ يُقَرِّظْ مَنْ عَدَاهُ فَلْيَكُنْ ... مُسْتَثْنِيا بِمَا عَدَا، وَمَا خَلاَ
قَدْ يَمَّمَ الخيرَ، وأَمَّ سُبْلَهُ ... واقْتَصَّ آثَارَ الرَّشادِ، واقْتَفَى
يقول شارحا لهذه الأبيات:"والمعنى في البيت الأول وتاليَيْه واحد، وهو أن لمادح هذا الأمير أن يصفه بجميع أوصاف المعالي من غير استثناء، وليس له ذلك في غيره إلا بتقييد، وما أفاد في واحدٍ من هذه الأبيات زيادة على ما أفاده في الأخيرين سوى تَرْدادِ العبارات والإطالة من غير طائل، وقد يُسْتَحْسَن تنويع العبارة إذا جيء بالمعنى في عبارات تفيد كل واحدة منهن ما لا تفيده الأخرى" [2] ، يعيب هذا الناقد على حازم الرتابة في الانتقال داخل القصيدة، وبالمقابل، يعطي مثالا لابن الرومي يتمثل فيه التنويع وجماليته، حين يقول:
هِيَ الأَعْيُنُ النُّجْلُ التِي كُنْتَ تَشْتَكِي ... مَوَاقِعَهَا فِي القِلْبِ، وِالرَّأْسُ أَسْوَدُ
فَمَا لَكَ تَأْسَى الآنَ لَمَّا رَأَيْتَهَا، ... وَقَدْ جَعَلَتْ مَرْمَى سِوَاكَ تَعَمَّدُ؟
تَشَكَّى إذا ما أقصدَتْكَ سهامُها ... وتَأْسى إذا نَكَّبْنَ، عَنْكَ، وَتَكْمَدُ
(1) - ملء العيبة بما جمع بطول الغيبة في الوجهة الوجيهة إلى الحرمين مكة وطيبة، أبو عبد الله محمد بن عمر بن رشيد الفهري، قدّم له وحققه محمد الحبيب بن الخوجة، دار الغرب الإسلامي، ط 1، بيروت، 1408 هـ/1988 م، ج 5، ص:403 - 404.
(2) - رفع الحجب المستورة، ج 1، ص:414 - 416.