فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 138

هكذا يبدو تعدد المصطلحات الموظفة من طرف نقاد القرن الهجري الثامن للدلالة على مبدأ القصيدة، سيرا على نهج النقاد العرب القدماء، إلا أن توظيفهم هذا لم يكن توظيفا نقديا مطَّرِدا في كتبهم، بل نجد لديهم فوضى في المصطلحات، وإن منهم من يوظف أغلبها في نص واحد، دون تمييزها عن بعضها، ومن هؤلاء نذكر العبدري الذي وظف كل من: الأول، والمطلع، والبداية، والافتتاح للدلالة على مبدأ القصيدة، يقول:"قرأت تخميسة (يقصد أبا عمرو عثمان بن عتيق(تـ 659 هـ ) ) على شيخ من أصحابه يُعْرَف بأبي إسحاق التلمساني، وحثني به قراءة، وأوله:"

ارِبعْ مِنَ العَلَمِ الأَسْنَى عَلَى طَلَلِ ... فَكَمْ ضَحيتَ وَلَمْ تفزعْ إلى طَلَل

وَإِنْ عَشَوْتَ إِلَى نارِ الهُدَى فَقُلِ ... الحَمْدُ لله منَّا باعِثِ الرُّسُل

هَدَى بِأَحْمَدَ منَّا أَحْمَدَ السُّبُل

وخمَّسها أيضا الفقيه الأديب الفاضل الأوحد أبو بكر محمد بن الحسن بن يوسف بن حبيش -رحمه الله- وهو من المتقنين المجوِّدين وذوي الفضائل المبرزين ... وقد عبق بحفظي مطلع أول تخميس منها، وهو قوله:

عَزْلُ الشَّبَابِ قَضَى أَنَّ المَشِيبَ وَلِيَ ... فمَا التَغَزُّلُ مِنْ قَوْلِي وَلاَ عَمَلِي

حَمْدُ الإِلَهِ وَمَدْحُ المُصْطَفَى أَمَلِي ... الحمدُ لله منَّا باعث الرُّسُل

ومن تأمل هذه البداية وتمكنها ومناسبة هذه الأقسام للبيت رأى قدر التفاوت فيما بين هذا النظم والذي قبله. أما تمكُّنها، فلأنه لما جرت عادة الشعراء بالافتتاح والتغزل، وطأ بالافتتاح بغيره" [1] ."

مما سبق، لم يتفق نقاد القرن الهجري الثامن المذكورون -على غرار النقاد العرب القدماء- على تسمية محددة لمبدأ القصيدة، لكن يبقى مفهوم"المطلع"هو المفهوم الشائع بينهم، وإن اختلفوا حول مفهومه: فمنهم من يراه البيت الأول من القصيدة، ومنهم من يراه أول البيت الأول أو أي بيت كان في القصيدة.

ثانيا: عيوب المبدأ في القصيدة الشعرية.

نظرا لأهمية مبدأ القصيدة الشعرية في بنائها الفني، لقي اهتماما من لدن نقاد القرن الهجري الثامن، فكانوا يحذرون من قبحه، ويدعون إلى تحسينه. وقد كان هذا الاهتمام لاعتبارات، نذكر منها [2] :

• المطلع أول ما يقع في السمع من القصيدة، والدال على ما بعده، المتنزل من القصيدة منزلة الوجه والغرة والمحيا. فإذا كان بارعا وحسنا بديعا ومليحا رشيقا، وصدر بما يكون فيه من تنبيه وإيقاظ لنفس السامع، أو أشرب بما يؤثر فيها انفعالا ويثير لها حالا من تعجيب أو تهويل أو تشويق، وكان داعيا إلى الإصغاء والاستماع إلى ما بعده. وهذا اعتبار نفسي محض يحسب حسابا كبيرا للمستمعين والمتلقين والقراء.

(1) - رحلة العبدري، ص:134 - 135.

(2) - بناء القصيدة في النقد العربي القديم، يوسف حسين بكار، ص:204 بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت