فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 138

• مراعاة القاعدة البلاغية المشهورة"مطابقة الكلام لمقتضى الحال"التي طبقوها على المطلع حين أرادوه أن يكون متمشيّا مع موضوع القصيدة، ومع من تقال فيه.

ونظرا لهذه الاعتبارات، فقد تشدد نقاد القرن الهجري الثامن في قبول مطالع القصائد، واشترطوا فيها شروطا:

-مراعاة مقتضى الحال، إذ أن القصائد التي أريد لها أن تحمل البشرى أو التهنئة، يكون مبدؤها دال على فحواها. ومن الأمثلة ما جاء به ابن بطوطة بقوله:"لما ولي (يقصد القاضي كمال الدين بن الزملكاني) قضاء حلب قصدته الشعراء من دمشق وسواها. وكان فيمن قصده الشاعر الشاب شهاب الدين أبو بكر محمد بن الشيخ المحدث شمس الدين أبي عبد الله محمد بن نباتة القرشي الأموي الميافارقيني فامتدحه بقصيدة طويلة حافلة، أولها:"

أَسِفْتُ لِفَقْدِكَ جِلِّقَ الفَيْحَاءِ ... وَتَبَاشَرَتْ لِقُدُومِكَ الشَّهْبَاءُ

وَعَلَى دِمَشْقَ وَقَدْ رحلَت كَآبة ... وعلا ربا حلب سنا سناء

وهي أزيد من خمسين بيتا. وأجازه عليها بكسوة دراهم. وانتقد عليه الشعراء ابتداءه بلفظ أسفت" [1] . فكيف يقبل الممدوح قصيدة أريد لها أن تهنّئ، ومبدؤها"أسفت". ولهذا لم يشأ ابن بطوطة أن يثبت هذا المطلع دون أن يشير إلى هذا العيب فيه. وبالمقابل فإن رحالة آخر لم يرد إثبات مطلع قصيدة للسبب ذاته، يقول ابن الحاج النميري:"ووجَّه بهذه القصيدة من مكناسة الشيخ المشتغل الكاتب أبو عبد الله بن جابر. وتركت مطلعها لنكادة فيه وتثبج مجّه الطرس عن فيه:

بُشْرَاكَ بِالفَتْحِ مَوْلاَنَا فَقَدْ نَفَحَتْ ... بِهِ عَلَيْكَ صِبَاهُ أَوْ جَنَائِبُهُ

وبالسلامة مضروبًا سرادقُها ... عليك والنصر خفَّاقٌ دوائبه [2]

ويدعو الثعالبي الشاعرَ إلى تفادي كل ما من شأنه أن يتطيَّر منه الممدوح، يقول:"وينبغي للشاعر أن يجتنب في شعره ما يتطيَّر به الممدوح والسامع له ومما ورد من ذلك قول ذي الرمة: أنشد عبد الملك قصيدته البائية:"ما بال عينك منها الماء ينسكب"، فقال له هشام وما سؤالك عن هذا يا جاهل وأمر بإخراجه وكانت بعينه ريشة تدمع أبدا فتوهم أنه عرَّض" [3] .

-السلامة المعنوية، يحث ابن عبد الملك المراكشي على حسن اختيار معنى المبدأ لأنه أول ما يقع في أذن السامع، وتجنب كل ما من شأنه أن يقلق المتلقي، إذ أحيانا يكون البيت الشعري الذي في المبدأ مدحا، إلا أن الجملة الأولى أو المصراع الأول يتوهم منه الهجاء، فيضع في نفس المتلقي، فينفر منه، علما أن المصراع الثاني سينفي المعنى الأول، ومن ذلك ما ذكره ابن عبد الملك بقوله معلقا على بيت:

بِفَضْلِكَ قُلْنَا وَالمَقَالُ مُزَيَّفٌ ... إِذَا كَانَ لاَ يُؤْتَى عَلَيْهِ بِشَاهِدِ [4]

(1) - رحلة ابن بطوطة، ص:91.

(2) - فيض العباب، ص:378 - 379.

(3) - أنوار التجلي، ورقة:4.

(4) - الذيل والتكملة، السفر الأول، القسم الأول، ص:175.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت