يرى الشريف السبتي -أثناء شرحه لأسلوب"التبليغ"- أن الشاعر قد يتمم معناه، ويصب عاطفته أثناء بناء البيت دون أن ينتهي إلى القافية، فيضطر إلى صناعتها بشكل يجعلها نافرة غير متشاكلة مع عناصر البيت، يقول:"وأما التبليغ فإنه نوع من التتميم الذي يراد به استيفاء غاية المعنى، إلا أنه خاص بالمقاطع، ويسمى أيضا الإيغال [1] ، وهو أن يتم كلام الشاعر دون مقطع البيت ويبلغ به القافية، فيأتي بما يُتَمِّم المعنى ويزيد في فائدة الكلام، لأن القافية محلاًّ من الأسماع والخواطر، فاعتناء الشاعر بها أكيدٌ، ولا شيء أقبح من بناء قافية على فضول الكلام التي لا تفيد" [2] ؛ ومن خلال هذا الأسلوب يناقش السبتي صلة المعنى بالقافية، ذلك أن المبدع يشرع في بناء بيته، لكنه قبل أن يصل إلى قافيته لتفريغ حمولته الفكرية والموسيقية والعاطفية ينتهي دون تتمة الوزن، فيضطر إلى إيجاد قافية بمعنى وموسيقى زائدين نافرين غير متشاكلين مع عناصر البيت الشعري الأخرى، لا لشيء فقط لتتمة الوزن. وهو قبح في القافية، يتنافى والقيمة التي أعطاها كل من الشاعر والناقد لها. فهي أسما من أن تبنى على فضول الكلام، وأن تكون مجرد صدى موسيقي مكرور.
استند هذا الناقد في انتصاره لضرورة بناء البيت على القافية إلى حجتين:
-الأولى: نقدية، وتتمثل في إيراده لحكاية الأصمعي، يقول:"وقيل للأصمعي: من أشعر الناس؟ قال:"من يأتي إلى المعنى الخسيس فيجعله بلفظة كبيرا، أو إلى الكبير فيجعله بلفظة خسيسا، أو ينقضي كلامه قبل القافية، فإذا احتاج إليها أفاد بها معنى ... قيل له: ونحو من؟ قال: نحو الأعشى حيث يقول:
كناطح صخرة، يوما ليفلقها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
فتمَّ مثله إلى قوله:"قرنه". فلما احتاج إلى القافية قال: الوعل، قيل له: وكيف صار الوعل له مزية على كل من ينطح؟ قال: لأنه ينطح من قنَّة الجبل على قرنه فلا يضيره" [3] . يرى الأصمعي أن الشاعر المجيد هو الذي يستطيع أن يبني معنى بيته من أوله إلى قافيته، دون أن تكون القافية زائدة بلا فائدة. وأن تكون مشاكلة لهذا المعنى. وأعطى مثالا ببيت الأعشى المشهور."
-الثانية: أدبية، وتتمثل في إيراده لشواهد من التراث الأدبي، يوضح فيها وقوع مثل هذا العيب فيه، يقول:"ومن أمثلته قول امرئ القيس:"
كأن عيون الوحش، حول خِبائِنا ... وأرْحُلِنا، الجَزْعُ الذي لم يثقَّب
(1) - يعرف السجلماسي الإيغال بقوله:"قول مركب من جزئين مركبين أو في حكم المركبين: أحدهما هو الثاني لمزيد معنى في الأول على وجه الاجتماع بحيث يمكن استقلاله بدونه، وخاصته الاختصاص بالقوافي"، المنزع البديع، ص:321 - 322.
(2) - رفع الحجب المستورة، ج 1، ص:190 - 191.
(3) - رفع الحجب المستورة، ج 1، ص:190 - 191.