فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 138

فأفاد معنى زائدا في التشبيه بقوله: لم يثقب" [1] . لم تفد القافية لدى امرئ القيس معنى جديدا، فكانت نافرة غير مشاكلة للمعنى. وبالمقابل أعطانا أمثلة تبرز حالة تمكن القافية في البيت، بحيث تصبح مصبَّه، حيث يصل إليها المتلقي وهو في قمَّة الإعجاب بالبيت، يقول:"وكان الرشيد يعجب بقول مسلم بن الوليد:

إذا ما عَلَتْ، مِنَّا، ذُؤَابَةُ شَارِبٍ ... تَمَشَّتْ، بِهِ، مَشْيَ المُقيَّدِ في الوَحْل

وكان يقول: قاتله الله! أما كفاه أن جعله مقيَّدًا حتى جعله في وحل؟" [2] ."

تناول السجلماسي نفس البيت الذي جاء به السبتي بخصوص أسلوب"الإيغال"، ويمكن التفريق بين زاويتين في تناوله هذا:

-الزاوية الأولى: وهي ما ذهب إليه الشريف السبتي من اعتبار أن القافية لم تفد معنى جديدا، فقد قسم صاحب المنزع البيت إلى جزأين: الأول حشو البيت، والثاني: القافية، يقول:"فالجزء الثاني وهو قوله:"لم يثقب"إيغال. وهو لمزيد معنى في الجزء الأول بعدَ كماله واستقلاله بدون الثاني، وذلك أنَّ مضمون القول قد تم عند قوله:"الجزع"فلما احتاج إلى القافية قال:"لم يثقب"فزاد بها معنى مبالغيًّا يستقلّ بدونه، فجعل الجزع غير مثقب لأن ذلك أصفى له وأتمُّ لحسنه" [3] .

-الزاوية الثانية: وهو الجديد الذي أضافه السجلماسي، ويتعلق بتشاكل القافية مع الصورة الشعرية؛ ليقول إن القافية -وإن قيل أنها لم تفد معنى جديدا- فإنه بشيء من التأول، يمكن أن نجد لها إفادة في إتمام بناء الصورة الشعرية، يقول:"مع أن التشبيه على هذه الحال أصحَّ وأتمَّ إذ كانت عيون الوحش غير مثقبة. قال بعض أرباب المعاني: وإنما شبَّه عيونها، وهي سُودٌ كلُّها لا يبدو فيها بياض، والجزع أَسْود مجزع ببياض، لأنه أراد أن عيونها -وهي ميتة- قد انقلبت فبدا فيها السواد والبياض" [4] . وهو -بهذا - يستند في هذه الزاوية إلى تراثه النقدي من خلال قوله:"قال بعض أرباب المعاني". فالتأول الذي بنى عليه السجلماسي ومن سبقه من النقاد: أن عيون الوحش تكون سودًا، أي تشبه الجِزْع [5] الذي لم يثقب، الذي لم يظهر فيه بياض.

إذا كان الشاعر -أحيانا- يعجز عن بلوغ قافيته المشاكلة لمعنى البيت، فيضطر إلى صناعتها عروضيا دون أن تكون لها فائدة، فإن بعض الشعراء يصلون إلى القافية عروضيا وموسيقيا، دون أن يتمكنوا من إتمام المعنى، فتكون هذه القافية

(1) - رفع الحجب المستورة، ج 1، ص:402 - 403.

(2) - رفع الحجب المستورة، ج 1، ص:192.

(3) - المنزع البديع، ص:322.

(4) - المنزع البديع، ص:322.

(5) - الجِزْع: والجزع -بفتح وكسر الجيم- ضرب من الخرز أو هو من الخرز اليماني، وهو الذي فيه بياض وسواد. وتشبَّه به العيون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت