فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 138

حاجزا أمام إتمام الفائدة. فبعد أن كانت في أسلوب"الإيغال"من دون فائدة، أصبحت -هنا- جارحة للفائدة مانعة لاستكمالها. يقول الشريف السبتي:"وقد عدوا من أنواع البديع أن يطَّرد للشاعر اسم الممدوح أو غيره مع أسماء آبائه في النظم من غير كلفة ولا حشو. فإنها إذا اطَّردت دلَّت على قوة عارضة الشاعر وقلة كلفته، كقول دريد بن الصمة:"

قَتَلْنَا بِعَبْدِ اللهِ خَيْرَ لِدَاتِهِ ... ذُؤَابَ بْنَ أَسْمَاءَ بْنِ زَيْدِ بْنِ قَارِب

ولما سمع عبد الملك بن مروان هذه البيت قال كالمتعجب:"لولا القافية بلغ به آدم". ومن ذلك قول الأعشى:

أَقَيْسُ بنَ مَسْعُودِ بنِ قَيْسِ بنِ خَالِدٍ ... وَأَنْتَ امرؤٌ تَرْجُو شَبَابَكَ وَائِلُ" [1] "

في هذا النص، يرى عبد الملك بن مروان أن الشاعر أوقَفَ تدفق المعنى بسبب وصوله إلى القافية، وإن كان لم يتممه بعد. ويعقب الشريف السبتي على هذا الرأي بقوله:"وبيت دريد بن الصمة أبدع في هذا الباب من بيت الأعشى، وإن كان كل واحد منهما قد أتى بأربعة أسماء من غير تكلف، لكن في بيت دريد ما نبَّه عليه عبد الملك من أن السامع يتوهم أن القافية قطعت بالشاعر عن الازدياد في رفع نسب المذكور، وأنه لم ينته البيت لانتهى به ذكر الأسماء إلى غاية فوق الوزن، فتشعر النفس بالعجز من الشاعر، ولا تشعر به في مثل بيت دريد. فتأمل هذا فإنه حسن جدًّا، وهو مراد عبد الملك" [2] . أثنى السبتي على بيت بن الصمَّة -كما فعل ابن مروان- لأن التشاكل بين القافية والمعنى أدى غرض المدح، بحيث لعبت القافية دور الحاصر لتدفق المعاني، وتركت للمتلقي تخيل ما لم يأت منها. فبدا الشاعر وكأنه يستطيع أن يذكر نسب الممدوح إلى غير نهاية لولا حاجز القافية. وأما الأعشى فقد فعَلَ فِعْلَ دريد في ذكر نفس عدد الأسماء، لكنه بدا في بيته وكأنه أتم كل ما لديه من الأنساب، ولم يبق له مزيد، وأتم بيته بغير ذلك تبعا للوزن.

وفي التراث النقدي العربي؛ نجده يهتم بمسألة تشاكل القافية ومعنى البيت أو معاني القصيدة؛ فدعوا إلى هذا التشاكل، وعابوا على القوافي التي تكون نافرة، لا معنى لها ولا فائدة. وتأتي لمجرد تتمة وزن البيت، والحفاظ على الروي: فقد تحدث أبو هلال العسكري في تناوله لأسلوب"الإيغال"عن"القافية المستدعاة"؛ وهي القافية التي يأتي الشاعر بها دون أن تكون لها فائدة في المعنى، بل لغرض تتمة العروض وإقامة الوزن وضرورة صوت الروي، يقول:"ومن عيوب القوافي أن تكون القافية مستدعاة لا تفيد معنى، وإنما أوردت ليستوي الروي فقط، مثل قول أبي تمام:"

كالظبية الأَدْمَاءِ صَافَتْ فَأَرْتَعَتْ ... زَهْرَ العرارِ الغَضِّ والجَثْجَاثَا

ليس في وصف الظبية أنها ترتعي الجثجات فائدة، وسواء رعت الجثجاث أو القلاَّم أو غير ذلك من النبت، وإذا قصد لنعت الظبية بزيادة حسن قيل إنها تعطو الشجر؛ لأنها حينئذ ترفع رأسها، فيطول جيدها وتظهر محاسنها" [3] . فهذا الناقد يعيب هذا"

(1) - رفع الحجب المستورة، ج 1، ص:402 - 403.

(2) - رفع الحجب المستورة، ج 1، ص:404 - 405.

(3) - كتاب الصناعتين، ص:450.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت