ليستدل به، نحو قول امرئ القيس:"قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل"وهو عندهم أفضل ابتداء صنعه شاعر، لأنه وقف واستوقف وبكى واستبكى وذكر الحبيب والمنزل في مصراع واحد" [1] . ثم دعا إلى الاحتراز عن"التعقيد في الابتداء؛ فإنه أول العيّ، ودليل الفهَّة" [2] . إلا أنه قد غالى في دعوة الشعراء إلى التصنع في الابتداء حين قال:"والفطن الحاذق يختار للأوقات ما يشاكلها، وينظر في أحوال المخاطبين، فيقصد محابَّهم، ويميل إلى شهواتهم وإن خالفت شهوته، ويتفقد ما يكرهون سماعه فيتجنب ذكره ..." [3] . وهو بهذا يبني شعره على ذوق المتلقي دون اعتبار لمقصد المبدع ودوافعه، وهو خلاف ما ذهب إليه حازم القرطاجني الذي يُوفِّق بين مقصد المبدع، ورغبة المتلقي. فمن جهة يقول:"وملاك الأمر في جميع ذلك أن يكون المفتتح مناسبا لمقصد المتكلم من جميع جهاته. فإذا كان مقصده الفخر كان الوجه أن يعتمد من الألفاظ والنظم والمعاني والأسلوب ما يكون فيه بهاء وتفخيم، وإذا كان المقصد النسيب كان الوجه أن يعتمد منها ما يكون فيه رقَّة وعذوبة من جميع ذلك، وكذلك سائر المقاصد" [4] ، ومن جهة أخرى يقول:"ومما يحسن به المبادئ أن يصدّر الكلام بما يكون فيه تنبيه وإيقاظ لنفس السامع أو أن يشرب ما يؤثر فيه انفعالا ويثير لها حالا من تعجيب أو تهويل أو تشويق أو غير ذلك ممَّا تقدمت الإشارة إليه" [5] ."
تناول حازم القرطاجني مسألة تناصر المصراعين في بناء المبدأ، واعتبره عيبا ما لم يكن الشاعر حاذقا ليحوله إلى ميزة حسنة فيه، يقول:"وأحسن المبادئ ما تناصر فيه حسن المصراعين" [6] ، وهذا لا يعني أن يضع الشاعر في مفتتح شعره ما لا يليق،"وفي الكلام ما له صورة يصير بها لائقا أن يكون رأس كلام ومفتتح قول، ومنه لا يليق بالمبادئ ولا يكون له هيأة تصلح لها. ويجب أن يجتلب القول للمبادئ من المعدن الأول" [7] .
يقسم حازم حسن المبادئ وفق ملمح التناصر بين مصراعي المطلع إلى ثلاث رتب:
الأولى:"ما تناصر فيه حسن المصراعين وحسن البيت الثاني" [8] .
الثانية:"أن يتناصر الحسن في المصراعين دون البيت الثاني" [9] .
الثالثة:"أن يكون المصراع الأول كامل الحسن، ولا يكون المصراع الثاني منافرا له وإن لم يكن مثله في الحسن" [10] .
(1) - العمدة، ج 1، ص:126.
(2) - العمدة، ج 1، ص:219.
(3) - العمدة، ج 1، ص:223.
(4) - منهاج البلغاء، ص:310.
(5) - منهاج البلغاء، ص:310.
(6) - منهاج البلغاء، ص:310.
(7) - منهاج البلغاء، ص:310.
(8) - منهاج البلغاء، ص:310.
(9) - منهاج البلغاء، ص:311.
(10) - منهاج البلغاء، ص:311.