فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 138

كذلك وتقتضيها الصنعة، ويكسب البيت الذي يكون فيه أبهة، ويكسوه رونقا وديباجة ويزيده مائية وطلاوة" [1] . فهؤلاء القدماء كانوا يقصرون هذا الأسلوب على الشعر، ويخصونه بالقوافي، إذ الجزء الثاني منه يكون -وجوبا- في القافية. لكن السجلماسي يرفض هذا القصر وذاك التخصيص، ويرى أن مردَّ ذلك إلى أن"هؤلاء لالتزامهم هذا الرأي فإنهم يميطونه من القرآن، وبالجملة من القول غير الشعري، ويرون إنه إنما يوجد في الشعر فقط" [2] ، ويركز هذا الناقد على قضية إبعادهم للنص القرآني من هذا الأسلوب، وكأنه يريد أن يفرق بين الرؤية الفنية التي جاء بها، والرؤية الخلقية التي غلفت آراءهم، ومنعتهم من نقل أسلوب نما في ظل الإبداعات والدراسات الشعرية، إلى النص الديني. لكنه يمر بهذه الالتفاتة سريعا، لأن الحجة التي يريد إظهارها أقوى وأغلظ في تعميمه لهذا الأسلوب على الشعر وغيره من الخطابات الأخرى واللغة العادية اليومية للعامة. وهي حجة مستندة إلى النَفَسِ الفلسفي والبرهان المنطقي الذي عرف بهما الرجل، فيبدأ أولا بالتشكيك في صحة رأي القدماء الذي سلكوه بقوله:"وينبغي أن تتأمل ما وضعه علماء هذه الصناعة في هذا النوع من قَصْرِه على الأقاويل الشعرية وتخصيصه منها بالقوافي فقط، هل هو صدق؟" [3] ."

بعد أن يشكك في صدقية آراء السابقين، يؤكد أن الاختلاف بينه وبينهم ليس جزئيا يتعلق بهذا الأسلوب فحسب، ولكنه اختلاف كلي يصل إلى مفهوم الشعر بصفة عامة، إذ يرى أنهم لا يهتدون إلى فهمه الفهم الصحيح، كما فهمه هو بناء على خلفيته الفلسفية، ولهذا كان من الواجب أن يقدم مفهومه الجديد:"إن القول الشعري -كما قد قيل- هو القول المخيل المؤلف من أقوال موزونة متساوية وعند العرب مقفاة" [4] ، ثم يشرحه جزءا جزءا حتى يفهمه القارئ، ويعني بجملة"كما قد قيل"أن هذا المفهوم ليس من عندياته، ولكنه أخذه عن الفلاسفة المسلمين وخصوصا ابن سينا كما سبق وأن أشرنا إلى ذلك في الفصل الثاني. والخلاصة التي يريد الوصول إليها من هذا التعريف هي أنه: لم يعد الوزن والقافية هما جوهر الشعر وعموده، لقد أصبح للشعر جوهرا جديدا:"التخييل هو المحاكاة والتمثيل، وهو عمود الشعر إذ كان به جوهر القول الشعري وطبيعته ووجوده بالفعل" [5] ، وهذا التحول في مفهوم الشعر، سيترتب عليه تحول في العديد من الأساليب التي كانت لصيقة به، ومنها أسلوب التصدير. إذ لم يعد الشعر هو الكلام المقفى، ولم يبق كل كلام مقفى هو شعر. فقد أعاد بمفهومه السابق خلط العناصر المكونة لهذا المفهوم، واختلاطها أدى إلى فصل أسلوب التصدير عن القافية. وهذا هو الهدف من تأصيله لهذا الاختلاف.

وإذا تم له هذا الفصل، يرجع إلى فحص الخلاف الجزئي؛ فينظر إلى القافية نظرة فلسفية منطقية، فينظر إليها من زاويتين: القافية جنس، والقافية فصل: فأما الزاوية الأخيرة فهي نفسها التي عرفها القدماء العرب، وأما الزاوية الأولى التي تعتبر

(1) - العمدة، ج 2، ص:3.

(2) - المنزع البديع، ص:406.

(3) - المنزع البديع، ص:406.

(4) - المنزع البديع، ص:407.

(5) - المنزع البديع، ص:407.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت