إذا كان كل من ابن البناء المراكشي والسجلماسي قد تناولا هذه التقنيات الخاصة بكسر الترتيب المنطقي للكلام في دراسة العبارة بصفة عامة: خطاب ديني، شعر، نثر، فإن الشريف السبتي تناولها في تحليله للشعر، فوجد أن هذه التقنيات وإن كانت توحي بكسر الترتيب المنطقي للقصيدة، وتبرزها وكأنها مفككة من خلال أساليب: الخروج والالتفات والتخلص، فإنها -في الحقيقة- هي أساس تماسكها وحسن ترتيبها ورصفها واتساقها وتلاحم أجزائها. ثم من جهة أخرى هي من دواعي اقتدار الشاعر وقدرته على الإبداع، وحذقه في صناعة الشعر، يقول شارحا لأبيات حازم القرطاجني:
تَخِذْتُ فِي النُّقْلَةِ فِي أَغْرَاضِهَا ... مَذَاهِبًا أَعْيَتْ عَلَى مَنْ نَحَا
فَاخْتَلَفَتْ أَغْرَاضُهَا وَائْتَلَفَتْ ... بِالمَذْهَبِ المَقْصُودِ فِيهَا المُنْتَحَى
وَانْتَسَبَ المَعْنَى بِلُطْفِ حِيلَةٍ ... فِيهَا إِلَى المَعْنَى الذِي مِنْهُ انْتَفَى [1]
يقول:"يريد انتقاله فيها من فن إلى فن، ومن غرض إلى غرض، كخروجه من النسيب إلى المدح، ومن المدح إلى وصف المعاهد، ومن وصف المعاهد إلى ذكر القنص، وغير ذلك من الأخبار والأمثال. ثم ذكر أنها وإن اختلفت مذاهبها وتباينت أغراضها. فإن فصولها غير متنافرة، والكلام فيها ملتئم الأسلوب، قد انتسب بعضه إلى بعض" [2] . هكذا شرح السبتي أبيات حازم، وهو ما يدل على أن هذا الناقد استند إلى صاحب المقصورة في فهمه للبناء الفني للقصيدة: إذ هذا الانتقال لا يعني تفككها وتباين أغراضها، بل إن ذلك دليل على التئامها. ثم يضيف السبتي على ما جاء به حازم أمرا ثانيا:"قلت: وهذا الذي أشار إليه الناظم من اتِّساق الكلام، وتلاحم أجزائه والتئام أساليبه، مع اختلاف المذاهب، وتباين المقاصد. إذا وقع في نظم أو نثر دل على اقتدار القائل وتأتيه لرصف الكلم وحسن الترتيب، ولا يكون ذلك إلا مع وفور مادة الطبع، وقوة عارضة البيان" [3] : فالأمر الثاني، أن التوسل بهذه التقنيات في بناء القصيدة لا يكون إلا من الشاعر الحاذق المطبوع، ويعطي لذلك مثالا بقوله:"ألا ترى إلى قول أبي نواس:"
وَإِذَا جَلَسْتَ إِلَى المُدَامِ وَشُرْبِهَا، ... فَاجْعَلْ حَدِيثَكَ كُلَّهُ فِي الكَأْس
وَإِذَا نَزَعْتَ عَنْ الغَايَةِ فَلْيَكُنْ ... لِلَّهِ ذَاكَ النُّزْعُ لاَ لِلنَّاس
وَإِذَا أَرَدْتَ مَدِيحَ قَوْمٍ لم تَمِنْ ... فِي مَدْحِهمْ، فَامْدَحْ بَنِي العَبَّاس
(1) - رفع الحجب المستورة، ج 4، ص:1597.
(2) - رفع الحجب المستورة، ج 4، ص:1601.
(3) - رفع الحجب المستورة، ج 4، ص:1601 - 1602.