شرق صنعاء" [1] . يذهب مصطفى عوض الكريم مذهبا آخر حين ينسب نشأة الموشحات إلى غناء إسباني قديم، يقول:"فالموشح يختلف عن الشعر المسمط وغيره من فنون النظم المشرقية بأنه إنما صنع من أجل الغناء وأوزانه المستحدثة التي لم يعهدها العرب في المشرق تدل دلالة قوية على أن هذه الأوزان تقليد لأوزان عجمية، ووجود الخرجة الأعجمية هو الحلقة بين الموشح وذلك الشعر الغنائي العجمي. وظهور الموشح في الأندلس دون المشرق، وفشل المشارقة في تقليد الأندلسيين في فن التوشيح لا نفسره إلا أن الأندلسيين كانوا أحذق في تقليد ذلك الشعر الغنائي العجمي" [2] . وهي آراء كما يبدو مختلفة، ولا أحد منها يستند إلى دليل قاطع، ولكن؛ يبدو أن الكثرة الكاثرة من الدارسين تنحو نحو الإقرار بالأصل الأندلسي العربي [3] ."
مما سبق، يترجح الأصل الأندلسي، ويدعمه ما جاء لدى بعض النقاد المرينيين، يقول ابن عبد الملك المراكشي:"اختص أهل الأندلس باختراع الموشح" [4] ، ويذهب ابن خلدون المذهب نفسه في إثبات الأصل الأندلسي [5] . ثم شاع هذا النمط من الإبداع في سائر الأقطار العربية، وإن لم يحذقوا فيه كما فعل الأندلسيون. وأما الحركة النقدية المواكبة لهذا النمط، يمكن أن نقسمها إلى نوعين: مصنفات تكتفي بالجمع والتبويب، وأخرى نقدية نفذت إلى البحث في البناء الفني والموسيقي لهذا النمط من الإبداع.
وعلى العموم فقد تأخرت هذه الحركة النقدية، لأن جلَّة المؤلفين يتحاشون إيراد الموشحات قرنا كاملا بعد وفاة عبادة بن ماء السماء الذي يعتبر مطور هذا الشعر بعد مخترعيه: الضرير وابن معافي، حتى"جاء علي بن إبراهيم بن سعد الخير البلنسي (تـ 525 هـ) فألف كتابه"نزهة الأنفس وروضة التأنس في توشيح أهل الأندلس"وقد ترجم فيه لعشرين وشاحا غير أنه من المؤسف أن هذا الكتاب قد ضاع فيما ضاع من تراث الأندلس الخالد. وفي عام 530 هجرية وفد محمد إبراهيم الحجاري على عبد الملك بن سعيد صاحب قلعة بني سعيد بأطراف غرناطة فمدحه بقصيدة فأعجب الممدوح به وبعلمه وسأله أن يصنف له كتابا في أدباء الأندلس فصنف كتابا -المسهب في غرائب المغرب- وقد تضمن قطعة من الموشحات نقلها ابن سعيد (تـ 685 هـ) في كتابه"المقتطف من أزاهير الطرف"" [6] . ويرى مصطفى عوض الكريم أن أول النقاد الذين"أنعموا النظر فيه للإلمام بطريقة نظمه وتمييزه عن غيره من فنون المنظوم ... القاضي السعيد أبو القاسم هبة الله بن جعفر بن سنان الملك (تـ 608 هـ) في كتابه دار الطراز في عمل الموشحات" [7] .
(1) - الموشحات الأندلسية، ص:19، بتصرف.
(2) - فن التوشيح، مصطفى عوض الكريم، دار الثقافة، ط 2، بيروت، 1974 م، ص:107.
(3) - مثلا: شوقي ضيف في كتابه"في النقد الأدبي"ص:104، ومحمد زكرياء عناني، وإحسان عباس في كتابه:"تاريخ النقد الأدبي عند العرب: نقد الشعر من القرن الثاني حتى القرن الثامن الهجري، دار الثقافة، ط 3، بيروت، 1401 هـ/1981 م"، ص:580.
(4) - الذيل والتكملة، السفر السادس، ص:399.
(5) - المقدمة، ص:817.
(6) - جيش التوشيح، مقدمة المحقق، ص: ف.
(7) - فن التوشيح، ص:20.