إنني أصبحت الآن أعرف سرا من أسرار ولايتهم، وكراماتهم، وبطولاتهم .. إن خبيبا رضى الله عنه أراد أن يعلنها مدويةً في سماء الإنسانية .. يفخر بنفسه .. أنا مسلم! .. ولست أبالى حين أقتل مسلما ... كما أعلنها من قبله عاصم بن ثابت .. وكلٌ بطريقته .. ولكن الدرس الأعجب للتاريخ أن هذا الرجل (خبيب) أراد أن تكون آخر وقفات الرجولة في حياته بين يدي ربه .. هي أعلى قمم البطولة، وهو ساجد بين الله تعالى .. يصلى له ويقول بكل يقين (الله أكبر، سبحان ربى العظيم، سبحان ربى الأعلى .. اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا وَاقْتُلْهُمْ بِدَدًا.) .. أمام هذا الإيمان والصدق ينفطر كل شئ حتى قلب الكافر .. (كَانَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ يَقُولُ: حَضَرْتُهُ يَوْمَئِذٍ فِيمَنْ حَضَرَهُ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يُلْقِينِي إِلَى الأرض فَرِقا مِنْ دَعْوَةِ خُبَيْبٍ .. من السيرة لابن كثير) .. وفى رجال كهؤلاء حرى بالكرامات أن تنزل، لا لشئ إلا لأن هؤلاء صدقوا الله فصدقهم .. هذه المرأة في بيت آسريه تقول (لَقَدْ رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ مِنْ قَطْفِ عِنَبٍ وَمَا بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ مِنْ ثَمَرِهِ، وَإِنَّهُ لَمُوثَقٌ فِي الْحَدِيدِ وَمَا كَانَ إِلَّا رِزْقًا رَزَقَهُ اللَّهُ.) .. ولرزق الله في الجنة خير وأبقى .. إنه لما قدم أعز ما يملك إنسان - نفسه - لدينه وفي سبيل ربه .. قدَّم الله تعالى له نعيمه .. يريه إياه في الدنيا ..
ولكنى أتوقف هنا عند مشهد آخر يبين لنا بوضوح خصائص فريدة لصناعة الرجولة الإسلامية .. وهى تلك القواعد الأرِقى في سماء الرجولة، ومواقف البطولة .. وهى التي لا تأخذ الرجل منهم في نشوته تنسيه الأخلاق العالية، والقيم الرفيعة التي رباهم الإسلام ومحمد صلى الله عليه وسلم عليها .. هذا خبيب رضى الله عنه .. رجلٌ التعذيب والقتل بكل قسوة مصيره المحتوم .. وقد خُدع فأُسر .. وقد واتته الفرصة ببعض الانتقام .. طفلٌ من أولاد آسريه .. على حجره، ومعه الموسى .. ما أسرع نفس لم يهذبها الإسلام إلى الفكرة .. ولكن صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأمه؛ وبهدوء مؤدب يطمئنها (أَتَخْشَيْنَ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ مَا كنت لأفعل ذَلِك إِنْ شَاءَ اللَّهُ.) واللام هنا -كما يعرف أهل اللغة - لام الجحود (النفى الشديد) .. إن هذا قد يحدث من أى أحد إلا من تلاميذ محمد صلى الله عليه وسلم .. روى مسلم في صحيحه (1787) عن حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، قَالَ: مَا مَنَعَنِي أَنْ أَشْهَدَ بَدْرًا إِلَّا أَنِّي خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي حُسَيْلٌ، قَالَ: فَأَخَذَنَا كُفَّارُ قُرَيْشٍ، قَالُوا: إِنَّكُمْ تُرِيدُونَ مُحَمَّدًا، فَقُلْنَا: مَا نُرِيدُهُ، مَا نُرِيدُ إِلَّا الْمَدِينَةَ، فَأَخَذُوا مِنَّا عَهْدَ اللهِ وَمِيثَاقَهُ لَنَنْصَرِفَنَّ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَلَا نُقَاتِلُ مَعَهُ، فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرْنَاهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: «انْصَرِفَا، نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَنَسْتَعِينُ اللهَ عَلَيْهِمْ» .. إن المسلمين في غزوة بدر كانوا في أمس الحاجة إلى