وكان يقول: (إن الرجل لا يكون غائبًا عن المنكر في بيوت الولاة، ويكون عليه مثل وزر من حضر، وذلك لأنه يبلغه فيرضى به ويسكت عليه) ، والله أعلم.) [1]
هؤلاء هم السادات بحق .. وهؤلاء هم الأثقل وزنا في موازين الرجال .. إن الإيمان لينضح من بين جنباتهم، ويسيل عملًا يعلم الكون كله معنى الرجولة، وبراعة الأبطال ... إن رجلا تربى في بيت النبوة - حتى يقول قائل الصحابة رضى الله عنهم (إنا كنا لنظن عبد الله بن مسعود من آل بيت رسول الله؛ لما كانوا يرون رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل فيدخل معه، ويخرج فيخرج معه؛ ويُؤذن له ما لم يُؤذن لأحد) - رجل كهذا لابد أنه رضع الإيمان نقيًا غضًا طريًا، فانسابت الحكمة من بين فكيه بلا أية عثرات ... ولكم أقول يا من تهوون حكم (بوذا) و (لاوتسى لو) و (زِن) ؛ لكم في عظماء الإسلام، ومن رضعوا من معين الحكمة البشرية الأعظم- صلى الله عليه وسلم-القدوة والسبيل .. !
واعلم أن بقدر ارتباطك برسول الله وقربك منه تزدد قربا من الله، فهذا ابن مسعود صاحب نعله صلى الله عليه وسلم .. ذرات تراب نعليه - أى ابن سعود - تساوى ألوفا من السفهاء الذين ملئوا الساحات بضجيجهم، ولا وزن لهم ... روى البخاري بسنده رِقم (3762) قَالَ: سَأَلْنَا حُذَيْفَةَ عَنْ رَجُلٍ قَرِيبِ السَّمْتِ وَالهَدْيِ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى نَأْخُذَ عَنْهُ، فَقَالَ: «مَا أَعْرِفُ أَحَدًا أَقْرَبَ سَمْتًا وَهَدْيًا وَدَلًّا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ» يقصد عبد الله بن مسعود رضى الله عنه ...
قال ابن سعد في الطبقات: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَيْرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا الأَعْمَشُ عَنْ حَبَّةَ بْنِ جُوَيْنٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَلِيٍّ فَذَكَرْنَا بَعْضَ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَثْنَى الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا رأينا رجلا أَحْسَنَ خُلُقًا، وَلا أَرْفَقَ تَعْلِيمًا، وَلا أَحْسَنَ مُجَالَسَةً، وَلا أَشَدَّ وَرَعًا مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ. فَقَالَ عَلِيٌّ رضى الله عنه: نَشَدْتُكُمُ اللَّهَ. إِنَّهُ لَصِدْقٌ مِنْ قُلُوبِكُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُشْهِدُكَ.
(1) طبقات الشعراني الكبرى 1\ 20 مكتبة المليجى مصر