رحلة الموت: آداب وأحكام [1] [2]
الحمد لله الذي خلق الموت والحياة ليبلوَ عباده أيهم أحسن عملا، الذي جعل لمن عاش منهم أجلا، ولمن مات بعثًا ونشورا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الحي القيوم الذي لا يموت وجميع خلقه يموتون. {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص:88] . وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله الذي قال الله تعالى له: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزمر:30] . والذي قال عنه: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران:144] . {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} [آل عمران:145] . فاتقوا الله-عباد الله-؛ فإن تقوى الله أمرُه، وفعلها عبادتُه وشكرُه، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران 102] ، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} {يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب 70 - 71] .
أما بعد: فإنَّ أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ بن عبد الله، صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار ..
أيها المسلمون، إنها مدة قصيرة، وأيام معدودة، وزيارة سريعة، يقضيها المسافر في دار غربته، ثم ينتقل بعدها إلى وطن إقامته، مارًا بمحطتين حتى يُلقي عصار التسيار في دار القرار.
لابد لهذا المسافر من ركوب رحلة لازمة يفارق فيها الأهلَ والأحباب، والأملاك والأصحاب، ويترك حياة الدنيا وأحياءها، راكبًا صهوة الموت التي لا يتخلف مخلوق عن ركوبها، ولن يفر أحد من امتطائها. قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران:185] . وقال: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ .. } [النساء:78] .
(1) ألقيت في مسجد ابن الأمير الصنعاني في 10/ 4/1436 هـ، 30/ 1/2015 م.
(2) هذه الخطبة هي الأولى من سلسلة بعنوان:"الطريق إلى الوطن الأخير"وتتضمن هذ السلسلة ست خطب، وتلي هذه الخطبة: 2 - الفراغ من دفن الميت: آداب وأحكام 3 - أنباء القبور 4 - مشاهد في عرصات القيامة 5 - دار الشقاء: أهوال وأحوال 6 - دار النعيم: أوصاف وأفراح.