دار الشقاء: أهوال وأحوال [1] [2]
الحمد لله الذي نزل الفرقان على عبده؛ ليكون للعالمين نذيرا، وتبارك الذي جعل في السماء بروجًا، وجعل فيها سراجًا وقمرًا منيرا، أحمده على نعمة الإسلام حمدًا كثيرا، وأشكره على نعمة الهدى والقرآن شكرًا غزيرا.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له ملك السموات والأرض ولم يتخذ ولدًا، ولم يكن له شريك في الملك، وخلق كل شيء فقدّره تقديرا. وأشهد أن نبينا وهادينا محمد بن عبدالله، بعثه الله إلى الجن والإنس بشيرًا ونذيرا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرا، أنار بالقرآن العقول، وشرح به الصدور، وشفى به القلوب، فامتلأت به حبورًا وسرورا، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد:
فاتقوا الله -عباد الله- فبتقوى الله تستنير البصائر، وتستريح الضمائر؛ فتفرّق بين الحق والباطل، والسليم والسقيم قال تعالى: {يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إَن تَتَّقُوا اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الأنفال 29] .
أيها الناس، فما زلنا نتابع خطى الراحلين، ومنهاجَ السالكين إلى لقاء رب العالمين، ونشاهد محطات السفر وما فيها من عظات وعبر، أشرقت الدنيا على المسافرين ثم أظلمت فبدت الحياة البرزخية ونطقت لنا بما فيها من الأفراح والأتراح حتى انتهت، فقامت القيامة فتقاطرت الجموع إلى ساحة العرض الأكبر ليشهدوا أكبر اجتماع شهده العالم كله أوله وآخره، فلم يكن قبله مثله ولن يكون بعده مثله، وظلوا هناك ينتظرون، نعم، ظلوا منتظرين فصلَ القضاء في أعمال ما مضى، ورأوا في ذلك الجمع المهيب مشاهدَ لم يروا لها مثيلًا من قبل. وهناك هناك نفذ فيهم حكم الملِك العدل، ونفِد زمانُ الوقوف الطويل والاجتماع الكبير، فسيق فريق إلى النار وفريق إلى الجنة، وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين.
عباد الله، فبعدَ هذه القسمة العادلة يأمر الله تعالى ملائكته بأخذ أهل النار إلى النار، فيُساقون إليها جماعاتٍ وأفواجًا سوقًا شديدًا، ويرِدونها وهم عِطاشٌ من حُرق ِالموقف وطوله وأهواله، ويُرمون فيها على ركبهم، عليهم الأغلالُ والقيود،
(1) ألقيت في مسجد ابن الأمير الصنعاني في 15/ 5/1436 هـ، 6/ 3/2015 م.
(2) هذه هي الخطبة الخامسة من سلسلة بعنوان:"الطريق إلى الوطن الأخير"تتضمن هذه السلسلة ست خطب، وكانت الخطبة الأولى بعنوان: رحلة الموت: آداب وأحكام، والخطبة الثانية: الفراغ من دفن الميت: آداب وأحكام، والخطبة الثالثة: أنباء القبور. والخطبة الرابعة: مشاهد في عرصات القيامة، وتلي هذه الخطبة: 6 - دار النعيم: أوصاف وأفراح.