فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 309

قوارب المغفرة[1]

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران 102] ، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُوا اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء 1] ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} {يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب 70 - 71] .

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي رسوله محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

أيها الناس، جاء في الحديث الصحيح عند الترمذي في سننه عن أنس بن مالك رضي الله عنه، وعند أحمد في مسنده عن أبي ذر رضي الله عنه، وعند الطبراني في معاجمه الثلاثة عن ابن عباس رضي الله عنهما قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله: (يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي، يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عَنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا، لأتيتك بقرابها مغفرة) .

عباد الله، هذا حديث عظيم يُلقي على النفوس ظِلالَ الطمأنينة والسكينة، ويكسو القلوب ألبِسة الإجلال والبهجة، ويغرس فيها دوحات الإعظام والمحبة لربنا الكريم سبحانه وتعالى.

كما أنه يفتح للمسلم أبواب الأمل والتفاؤل، ويغلق عنه منافذ اليأس والقنوط، ويرشده إلى الطريق القويم حينما يزيغ عنه في ظلمات الخطايا والانحراف، ويهديه الدواءَ إذا أسقمه الداء، ويعطيه قوارب النجاة عندما تتقاذفه أمواجُ الشبهات والشهوات، ويعيده إلى دار الأمان والعز، بعد أن تاه عنها في طرقات الضياع والذل.

لقد تجلّت في هذا الحديث- معشر المسلمين- صفاتٌ من صفات الله تعالى البالغةِ في الحسن الغاية، وفي الكمال النهاية.

ففيه بيان صفة علم الله تعالى؛ فهو -جل وعلا- العالم العليم العلاّم الذي أحاط بكل شيء علمًا، فلا يغيب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، يعلم ما كان وما يكون لو كان كيف يكون، ويعلم الأشياء دقيقها وجليلها، وظاهرها

(1) ألقيت في مسجد ابن الأمير الصنعاني في 12/ 4/1437 هـ، 22/ 1/2016 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت