فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 309

أهل العلم والدعوة إلى الله تعالى هم أهل الكلمة الصادقة المتألقة بنور الحق، الحاملون مشاعل الهداية في مجاهل الظلام إلى الخلق. نصبهم الله أدلة هدى للناس، وقادة عدل إلى الصراط المستقيم. ورثوا عن الأنبياء أمانة البلاغ ومهمة الدعوة إلى الرشاد، فحازوا بين الناس أسمى وسام، وأرقى مقام.

لا تصلح حياة المسلمين إلا بوجودهم هداة بينهم؛ لأنهم يعيشون بين الناس كالأرواح للأبدان، وكالشمس للدنيا، وكالعافية للأجسام. ينفون عن الدين تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، ويحيون ما اندرس من الإسلام في أوساط العباد؛ ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة، ولكيلا تزل قدم بعد ثبوتها، وتذوق السوء بضلالها وانحرافها.

رزقوا بين الناس الكلمة المسموعة التي تستطيع أن تحرّك وأن تسكّن، وأن تغير وأن تحوّل، وتستطيع أن تطلق وأن تعقل. ويمتلكون الأقلام النقية التي تجد من يقرأ حروفها القادمة من آفاق الوفاء لأمتهم. فرفرف لهم بين العباد عَلم الهيبة والمنزلة المرموقة، فمن ذلك المقام ومن تلك المكانة العالية يقدرون على التأثير والقرب من مشاعر الناس لدعوتهم إلى الحق والهدى.

غير أنا لو قرأنا الواقع الدعوي الذي نعيشه فسنجد أن الأثر ما زال محدودًا أمام ما نرى من جهود أهل الباطل في إظهار باطلهم، وانجفال الناس إليهم. ولو بحثنا عن الأسباب التي جعلت كلمة الحق ضعيفة التأثير في خطابنا الدعوي المعاصر لرأينا أن من الأسباب: أن الكلام الدعوي غدا- عند بعض الناس- مصدرَ رزق، فصارت الخطابة والتعليم الشرعي وظيفة دنيوية لا فريضة دينية يوجبها العلم وحمل أمانته. وأصبحت الكلمة الصادقة مطية إلى سماء الشهرة لتُرى فصاحة المتكلم، وقدرته على الوصول إلى إعجاب سامعيه. ليغيب عند ذلك الهدف الأسمى وهو تقويم ما تأوّد من دين الخلق.

وغاب التأثير أيضًا حينما ركب صهوةَ الكلمة غيرُ فرسانها، وأركضوها في غير مساربها. فأضحى من لديه قليل من العلم يُصدَّر أو يتصدر بين الناس الكثيرين ليلقي ما بجعبته بعُجَره وبُجَره، مما ولّد في الناس قلة تعظيم هذا المقام السامي، بسبب هؤلاء الزمنى الذين ينبغي الحجر عليهم من صعود هذا الشرف، وهناك من هو سيده وصاحبه. فالحجر على سفهاء الأقوال أولى من الحجر على سفهاء الأموال.

وضعف التأثير لدى بعض الملقين لما غاب الفهم الشامل للإسلام وغدت عقلية الملقي مقصورة في زاوية محدودة من الإسلام: علمية فقط، أو سياسية، أو دعوية، أو نحو ذلك. فإذا خطب فعنها يتكلم، وإن حاضر فمنها يُطِل، وإن كتب فبها يبدأ وبها يختم. وقد تحتويه جماعة أو حزب أو فكرة أو رأي لمجموعة من الناس فهو يدور في تلك البوتقة المغلقة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت